عاجل: يو بي إس يرى الذهب منهارًا لهذا المستوى - سيناريوهات الهبوط
في الغرف المغلقة للبنوك المركزية في بكين وموسكو، تجري عملية هادئة لكنها زلزالية قد تعيد تشكيل النظام المالي العالمي كما نعرفه. إنها ليست حرباً بالصواريخ، بل بالسبائك. إنها استراتيجية متعمدة وطويلة الأمد تُعرف بـ "التخلص من الدولار" (De-dollarization)، وسلاحها المفضل هو أقدم أصل نقدي عرفته البشرية: الذهب.
بينما تتابع أنت أخبار أسعار الفائدة وتقلبات أسواق الأسهم اليومية، هناك لعبة أكبر بكثير تدور في الخلفية. وفهم هذه اللعبة لم يعد ترفاً للمحللين، بل ضرورة لكل شخص يملك حساباً بنكياً أو محفظة استثمارية.
لماذا تريد الصين وروسيا التخلص من الدولار؟
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، جلس الدولار الأمريكي على عرش النظام المالي العالمي. كل شيء تقريباً، من النفط إلى القمح، يتم تسعيره وتداوله بالدولار. هذا أعطى الولايات المتحدة "امتيازاً باهظاً": القدرة على طباعة عملة العالم، وفرض عقوبات اقتصادية قادرة على شل أي دولة عن طريق عزلها عن النظام المالي العالمي.
الصين وروسيا، كقوتين عالميتين صاعدتين، تريان في هذا الوضع نقطة ضعف استراتيجية خطيرة.
1. السلاح المالي: لقد شاهدت روسيا بأم عينها كيف تم تجميد مئات المليارات من احتياطياتها الدولارية كجزء من العقوبات الغربية. كانت تلك لحظة "تنبيه" ليس فقط لموسكو، بل لبكين أيضاً. الرسالة كانت واضحة: طالما أن ثروتك مقومة بالدولار ومحتجزة في البنوك الغربية، فأنت تحت رحمة خصومك السياسيين.
2. الاستقلال الاقتصادي: الاعتماد على الدولار يعني أن اقتصاداتهم تتأثر بشكل مباشر بالسياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. قرار رفع أو خفض أسعار الفائدة في واشنطن يمكن أن يسبب فوضى في بكين وموسكو. السعي نحو "الاستقلال النقدي" هو خطوة منطقية لأي قوة تطمح إلى دور قيادي عالمي.
الذهب: الخطة البديلة المثالية
إذن، إذا كنت تريد الابتعاد عن الدولار، فما هو البديل؟ العملات الأخرى مثل اليورو أو الين تعاني من مشاكلها الخاصة وتدور في فلك السياسة الغربية. أما العملات المشفرة فلا تزال متقلبة للغاية لتكون أساساً لاحتياطيات دولة.
هنا يدخل الذهب.
الذهب هو الأصل النقدي الوحيد الذي لا يمثل ديناً على أحد. إنه أصل مادي، ملموس، ومعترف به عالمياً منذ آلاف السنين. لا يمكن لأي حكومة أن تطبع المزيد منه بضغطة زر، ولا يمكن تجميده أو فرض عقوبات عليه إذا كان مخزناً داخل حدودك.
وهذا بالضبط ما تفعله الصين وروسيا. منذ سنوات، وهما من أكبر مشتري الذهب في العالم بهدوء وثبات. الأرقام الرسمية، التي غالباً ما تكون أقل من الواقع، تظهر أن البنك المركزي الصيني يضيف الذهب إلى احتياطياته كل شهر بلا توقف. هذه ليست مجرد عملية استثمارية، بل هي إعادة بناء لأساس الثقة في نظام مالي جديد لا يهيمن عليه الدولار.
ما تأثير كل هذا على محفظتك أنت؟
قد يبدو هذا صراعاً بين العمالقة يدور بعيداً عنك، لكن آثاره بدأت تتسرب بالفعل إلى استثماراتك اليومية.
1. أرضية صلبة لسعر الذهب: هذا الطلب الهائل والمستمر من البنوك المركزية يخلق "أرضية" سعرية قوية للذهب. على عكس الطلب من المستثمرين الأفراد الذي يتقلب مع الأخبار، فإن طلب البنوك المركزية هو طلب استراتيجي طويل الأجل. هذا يعني أنه حتى لو انخفض سعر الذهب على المدى القصير، فهناك مشترٍ ضخم ينتظر في الظل لشرائه بأسعار منخفضة، مما يحد من مخاطر الانهيار الكبير.
2. تآكل تدريجي لقيمة الدولار: كلما زاد عدد الدول التي تتبع خطى الصين وروسيا وتبدأ في تداول السلع (مثل النفط) بعملات أخرى، يقل الطلب العالمي على الدولار. هذا، بالإضافة إلى الديون الأمريكية الهائلة، قد يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للدولار على المدى الطويل. بعبارة أخرى، الدولار في حسابك البنكي قد يشتري سلعاً أقل في المستقبل.
3. الذهب كبوليصة تأمين: في هذا العالم الجديد الذي يتجه نحو "تعدد الأقطاب النقدية"، لم يعد الذهب مجرد أصل للمضاربة. لقد عاد إلى دوره التاريخي كبوليصة تأمين ضد الفوضى وعدم اليقين الجيوسياسي. امتلاك جزء صغير من محفظتك (5% إلى 15%) في الذهب المادي أو صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة لإدارة المخاطر.
الخلاصة: الرحلة التي بدأتها الصين وروسيا للتخلص من هيمنة الدولار ليست مجرد عنوان إخباري، بل هي تغيير جوهري في أسس النظام المالي. بينما تتصارع القوى العظمى، فإن الذهب يقف بهدوء في المنتصف كحكم محايد ومخزن نهائي للقيمة. تجاهل هذه الحركة قد يكون أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه المستثمر في هذا العقد. قرارك اليوم بتخصيص جزء من ثروتك لهذا الأصل العتيق قد يكون هو القرار الأكثر حكمة لحماية مستقبلك المالي.
باسل عبيدات / متداول في الاسواق المالية العالمية
