يشير مؤشر القاع التاريخي لبيتكوين إلى مستوى 62 ألف دولار – هل يمكن أن يهبط السعر إلى هذا الحد؟
لطالما كان الذهب الملاذ الآمن للمستثمرين والمؤشر الأكثر حساسية على صحة الاقتصاد العالمي. عندما ترتفع أسعاره بشكل كبير، يتساءل الكثيرون: هل كان هذا الارتفاع مفاجئًا للجميع، أم أن هناك قوى سياسية واقتصادية كبرى كانت على علم مسبق بما سيحدث؟ الإجابة ليست بسيطة، وتقع في منطقة رمادية بين التحليل الاستراتيجي، والوصول الحصري للمعلومات، واحتمالية التلاعب.
القوى الكبرى: من هم وكيف يؤثرون؟
عندما نتحدث عن "القوى الكبرى"، فإننا نشير بشكل أساسي إلى ثلاث جهات فاعلة:
1. البنوك المركزية الكبرى: مثل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، والبنك المركزي الأوروبي، وبنك الشعب الصيني.
2. المؤسسات المالية العملاقة: بنوك استثمارية كبرى مثل Goldman Sachs وJPMorgan، وصناديق التحوط العالمية.
3. الحكومات والقوى السياسية: خاصة في الدول ذات التأثير الجيوسياسي الكبير (مثل الولايات المتحدة، الصين، وروسيا).
هذه الجهات لا تتنبأ بالمستقبل، بل في كثير من الأحيان، هي التي تصنع الأحداث التي تؤثر على أسعار الذهب.
آليات المعرفة المسبقة: بين التحليل والتأثير
هل لدى هذه القوى علم مسبق؟ نعم، ولكن ليس عبر كرة بلورية سحرية، بل من خلال آليات محددة:
1. صناعة السياسات النقدية (وليس التنبؤ بها):البنوك المركزية هي التي تقرر أسعار الفائدة وتطلق برامج التيسير الكمي (طباعة النقود). هذه القرارات هي المحرك الرئيسي لأسعار الذهب.
- المعرفة المسبقة: قبل أن يعلن الاحتياطي الفيدرالي عن خفض سعر الفائدة، تكون هناك اجتماعات مغلقة ومناقشات داخلية. المشاركون في هذه الاجتماعات لديهم "علم مسبق" بالقرار قبل إعلانه للعامة بدقائق أو ساعات. انخفاض الفائدة يقلل من جاذبية السندات ويدفع المستثمرين نحو الذهب، مما يرفع سعره.
- مثال: عندما يقرر بنك مركزي البدء في شراء الذهب لزيادة احتياطياته، فإنه يعلم مسبقًا أنه سيخلق طلبًا كبيرًا في السوق سيرفع السعر.
2. الوصول الحصري للمعلومات الاقتصادية: قبل صدور بيانات التضخم أو أرقام البطالة الرسمية، يتم تجميع هذه البيانات من قبل جهات حكومية. على الرغم من وجود بروتوكولات صارمة لمنع التسريب، فإن الوصول إلى هذه المعلومات الحساسة قبل الجمهور بدقائق (أو حتى ثوانٍ) يمكن أن يمنح ميزة هائلة في الأسواق. المؤسسات المالية الكبرى تستثمر المليارات في تكنولوجيا التحليل والتداول السريع للاستفادة من أي فارق زمني، مهما كان ضئيلاً.
3. التأثير الجيوسياسي المباشر:الحكومات الكبرى هي التي تتخذ قرارات الحرب، أو تفرض العقوبات الاقتصادية، أو توقع الاتفاقيات التجارية. هذه الأحداث تسبب صدمات في الأسواق وتدفع المستثمرين للهروب إلى الملاذات الآمنة، وعلى رأسها الذهب.
- المعرفة المسبقة: عندما تخطط دولة لفرض عقوبات اقتصادية على دولة أخرى منتجة للنفط، فإنها تعلم أن هذا القرار سيسبب حالة من عدم اليقين العالمي ويرفع أسعار الذهب. المسؤولون رفيعو المستوى والمقربون منهم يكونون على دراية بهذه النوايا قبل أن تصبح أخبارًا عالمية.
هل هو تلاعب أم مجرد ميزة استراتيجية؟
هنا يكمن الجدل الأكبر. يرى البعض أن ما يحدث هو مجرد نتيجة طبيعية لكون هذه الجهات هي "صانعة السوق". فالبنك المركزي الذي يغير سعر الفائدة لا "يتلاعب" بالسوق بقدر ما يقوم بوظيفته في إدارة الاقتصاد، وارتفاع سعر الذهب هو مجرد أثر جانبي.
لكن آخرين، خاصة من أنصار نظريات المؤامرة، يرون أن هناك تنسيقًا متعمدًا بين النخب السياسية والمالية للاستفادة من هذه التحركات. يشيرون إلى حالات قام فيها مسؤولون كبار بتداولات مالية مشبوهة قبل إعلانات سياسية كبرى كدليل على وجود استغلال للمعلومات الداخلية.
الخلاصة:
القوى السياسية والاقتصادية الكبرى لديها بالفعل شكل من أشكال المعرفة المسبقة بتحركات أسعار الذهب، ولكن هذه المعرفة لا تأتي من التنبؤ السحري، بل من كونها المصدر الأساسي للأحداث التي تحرك السوق. قراراتهم بشأن أسعار الفائدة، والحروب، والعقوبات، والسياسات النقدية هي التي ترسم مسار الاقتصاد العالمي، وبالتالي مسار الذهب.
بالنسبة للمستثمر العادي، فإن مفتاح النجاح ليس محاولة التغلب على هذه القوى، بل فهم أفعالها وقراءة المشهد العام. فعندما تتجه البنوك المركزية نحو سياسات نقدية توسعية أو عندما يزداد التوتر الجيوسياسي، فإن التاريخ يخبرنا أن الذهب غالبًا ما يكون هو المستفيد الأكبر.
هل تود أن أبحث في حدث تاريخي معين، مثل الأزمة المالية عام 2008، وكيف تحركت أسعار الذهب قبلها وبعدها؟ أو ربما نناقش دور الصين وروسيا المتزايد في سوق الذهب؟
باسل عبيدات/ متداول بالأسواق المالية العالمية
