عاجل: صدور بيانات اقتصادية أمريكية هامة.. وحركة بالأسواق
شهدت الأسواق العالمية مطلع هذا الأسبوع حالة من الاضطراب الحاد بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية جديدة بنسبة 100% على جميع الواردات الصينية، في خطوة فاجأت المستثمرين وأعادت إلى الأذهان أجواء التوتر التجاري بين واشنطن وبكين التي هزّت الاقتصاد العالمي في السنوات السابقة. وجاء القرار الأمريكي ردًا على الإجراءات الصينية الأخيرة التي شملت فرض ضوابط تصدير جديدة على المعادن الأرضية النادرة — وهي عناصر حيوية لصناعة التكنولوجيا والطاقة المتقدمة — ما دفع إدارة ترامب إلى الرد بتوسيع نطاق الرسوم وتقييد صادرات البرامج والمنتجات التقنية الحساسة المصنعة في الولايات المتحدة.
رغم حدّة التصعيد، حاول ترامب لاحقًا التخفيف من حدة الموقف بتصريحات أكثر تصالحية، قائلاً عبر منصة تروث سوشيال: "لا تقلقوا بشأن الصين، كل شيء سيكون على ما يرام"، مشيرًا إلى احترامه للرئيس الصيني شي جين بينغ واستعداده للتعاون معه لتجنب الركود الاقتصادي في كلا البلدين. هذه اللهجة الأكثر هدوءًا أوحت بأن قنوات الاتصال بين واشنطن وبكين لا تزال مفتوحة، وأن إمكانية التوصل إلى اتفاق قبل دخول الرسوم الجديدة حيّز التنفيذ في 1 نوفمبر تبقى قائمة.
لكن الأسواق لم تنتظر طويلاً لتظهر رد فعلها الأولي العنيف؛ فأسواق الأسهم الأمريكية شهدت واحدة من أكثر جلساتها تقلبًا منذ بداية العام، حيث تراجع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنحو 2.7%، وهبط ناسداك بأكثر من 3.5%، بينما فقدت شركات التكنولوجيا الكبرى أكثر من 4% من قيمتها السوقية. في المقابل، ارتفع الذهب مجددًا فوق مستوى 4,000 دولار للأونصة في ظل اندفاع المستثمرين نحو الأصول الآمنة، في حين انخفض خام غرب تكساس الوسيط دون 60 دولارًا للبرميل، وهو أدنى مستوى منذ مايو الماضي.
وبينما كانت الأسواق تميل إلى نمط “تجنّب المخاطر”، لم يتحرك الدولار الأمريكي بالطريقة التقليدية المتوقعة، إذ تراجع بدلًا من الارتفاع. هذا السلوك غير المعتاد يعكس قلق المستثمرين من أن سياسات ترامب المفاجئة قد تؤدي إلى اضطرابات مالية داخلية، خصوصًا مع استمرار الإغلاق الحكومي في واشنطن وتأجيل صدور بيانات اقتصادية مهمة مثل مؤشر أسعار المستهلك (CPI)، الذي كان من المقرر نشره هذا الأسبوع.
على الجانب الآخر، أظهرت بيانات جامعة ميشيغان لشهر أكتوبر ثباتًا نسبيًا في ثقة المستهلك الأمريكي، حيث تراجعت توقعات التضخم إلى 4.6% من 4.7%، ما يشير إلى استقرار نسبي في توقعات الأسعار رغم اضطراب الأسواق. أما في آسيا، فقد شهدت الصين مفاجأة إيجابية في بيانات التجارة، إذ ارتفعت الصادرات بنسبة 8.3% على أساس سنوي في سبتمبر، وهي أقوى وتيرة منذ سبعة أشهر، ما ساعد في تهدئة بعض المخاوف بشأن تأثير التوترات التجارية الجديدة.
في أوروبا، افتتحت المؤشرات تعاملاتها على انخفاض طفيف متأثرة بالدراما التجارية الأمريكية – الصينية، في حين ظل اليورو مستقرًا نسبيًا مقابل الدولار حول مستوى 1.1760. كما ارتفعت العوائد على السندات الأمريكية والألمانية في تحرك يعكس مزيجًا من الحذر والتعديل في مراكز المستثمرين قبل وضوح مسار الأحداث.
ورغم كل ذلك، يبدو أن الأسواق تراهن على تهدئة محتملة قبل نهاية الشهر، حين من المقرر أن يلتقي ترامب وشي على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (APEC). أي إشارة إلى تقارب في المواقف أو نية لتجميد الرسوم الجديدة قد تُعيد الثقة مؤقتًا للأسواق، في حين أن فشل المحادثات أو تجدد التصعيد سيُبقي حالة الذعر المالي قائمة وربما يدفع المؤشرات العالمية إلى موجة تصحيح أعمق.
في النهاية، يُعيد هذا التطور تأكيد حقيقة أن السياسة أصبحت المحرك الأبرز للأسواق في الحقبة الحالية، وأن تصريحات ترامب — سواء كانت عبر المنابر الرسمية أو عبر منشور واحد على وسائل التواصل — كفيلة بإحداث صدمات لحظية في جميع فئات الأصول، من الأسهم إلى السلع والعملات. وبينما يتأرجح المستثمرون بين القلق والأمل، تبقى أعين العالم مركزة على اللقاء المرتقب بين واشنطن وبكين، الذي قد يحدد ملامح المسار الاقتصادي العالمي لبقية عام 2025.
