يشير مؤشر القاع التاريخي لبيتكوين إلى مستوى 62 ألف دولار – هل يمكن أن يهبط السعر إلى هذا الحد؟
"الهبوط الناعم"... أكبر كذبة يبيعها الفيدرالي للأسواق.
في عالم المال، هناك قصص تُروى لتهدئة الأعصاب، حكايات قبل النوم للمستثمرين القلقين. واليوم، القصة الأكثر رواجاً التي يهمس بها مسؤولو مجلس الاحتياطي الفيدرالي في كل ميكروفون هي قصة "الهبوط الناعم" (Soft Landing) الخيالية.
إنها حكاية جميلة ومطمئنة: الفيدرالي، ببراعته الهندسية الفائقة، سيقوم برفع أسعار الفائدة بما يكفي فقط لسحق التضخم، دون أن يكسر ظهر الاقتصاد. سيهبط الاقتصاد برفق ونعومة كفراشة على زهرة، وسيعيش الجميع في سعادة وهناء.
ولكن التاريخ، ذلك الشاهد الصامت الذي لا يجامل، يروي لنا قصة مختلفة تماماً. قصة أكثر عنفاً وواقعية.
الحقيقة المرة: الفيدرالي لا يقود طائرة، بل يقود شاحنة ضخمة مكابحها لا تعمل جيداً.
فكرة "الهبوط الناعم" تفترض أن الفيدرالي يملك أدوات جراحية دقيقة يمكنه من خلالها تعديل الاقتصاد. لكن الواقع هو أن أداته الرئيسية - أسعار الفائدة - هي مطرقة ثقيلة، وليست مبضع جراح. تأثير قرارات اليوم لا يظهر في الاقتصاد إلا بعد 6 إلى 18 شهراً. هذا يعني أن باول وفريقه يقودون وهم ينظرون في مرآة الرؤية الخلفية، ويضغطون على المكابح الآن على أمل إيقاف الشاحنة عند المنعطف التالي الذي لا يرونه بوضوح بعد.
ماذا يخبرنا التاريخ؟
لنتجاهل التصريحات المتفائلة وننظر إلى البيانات. في آخر 11 دورة رفع للفائدة قام بها الفيدرالي منذ الخمسينيات، كم مرة نجح في تحقيق "هبوط ناعم"؟ الإجابة صادمة: مرة واحدة فقط، وبشق الأنفس. في 10 مرات من أصل 11، كانت النتيجة هي الركود الاقتصادي (Recession).
هل حقاً نراهن على أن هذه المرة ستكون مختلفة، في ظل أكبر ديون حكومية في التاريخ، وأسرع دورة رفع للفائدة منذ عقود؟ هذا ليس استثماراً، هذا قمار.
السيناريوهان الحقيقيان اللذان ينتظراننا (وكلاهما جيد للذهب):
بما أن "الهبوط الناعم" هو مجرد وهم، ما هي النتائج المحتملة التي يجب أن نستعد لها؟ هناك طريقان فقط لا ثالث لهما:
1. السيناريو الأول: الفيدرالي ينجح في مهمته (ويكسر شيئاً ما). يستمر الفيدرالي في رفع الفائدة حتى يقتل التضخم تماماً. النتيجة؟ كما حدث 10 مرات من قبل، سينكسر شيء ما في الاقتصاد. أزمة ائتمان، انهيار في سوق العقارات، ارتفاع حاد في البطالة... ركود اقتصادي حقيقي. وعندما يحدث الركود، ماذا سيفعل الفيدرالي؟ سيعود إلى ما يجيده: خفض الفائدة وطباعة النقود بجنون لإنقاذ الموقف. وهذا، يا أصدقائي، هو وقود الصواريخ لسعر الذهب.
2. السيناريو الثاني: الفيدرالي "يجبن" ويرضخ للضغوط. مع ظهور أولى علامات التباطؤ الاقتصادي الحقيقي أو تذبذب الأسواق، ومع صراخ السياسيين قبل الانتخابات، يقوم الفيدرالي بـ "المحورة" (Pivot). يتوقف عن رفع الفائدة قبل الأوان، وربما يبدأ بخفضها. النتيجة؟ التضخم الذي لم يمت بالكامل يعود للانتقام بقوة أكبر، تماماً كما حدث في السبعينيات. في عالم كهذا، حيث تفقد النقود قيمتها بسرعة، إلى أين يهرب الناس؟ إلى الملاذ الآمن الوحيد الذي حافظ على قيمته لـ 5000 عام: الذهب.
الخلاصة: لا تصدق الحكايات الخيالية.
"الهبوط الناعم" ليس استراتيجية اقتصادية، بل هو أداة علاقات عامة تهدف إلى منع الذعر في الأسواق اليوم. إنها "حبة مسكن" مؤقتة لمريض يحتاج إلى جراحة كبرى.
المستثمر الذكي لا يبني قراراته على القصص المهدئة، بل على الحقائق التاريخية والاحتمالات المنطقية. وكلا الطريقين المنطقيين القادمين - الركود أو عودة التضخم - يؤديان في النهاية إلى مكان واحد: ارتفاع قيمة الأصول الحقيقية التي لا يمكن طباعتها.
لذا، عندما تسمع كلمة "هبوط ناعم" في نشرة الأخبار، ابتسم. واعلم أنهم يخبرونك، بطريقة غير مباشرة، أن تستعد لرحلة مضطربة جداً.
باسل عبيدات / متداول بالاسواق المالية العالمية
