يشير مؤشر القاع التاريخي لبيتكوين إلى مستوى 62 ألف دولار – هل يمكن أن يهبط السعر إلى هذا الحد؟
الأسواق في فخ الإدارة الأمريكية: كيف تدفع الحرب التجارية الفيدرالي نحو قرارات خطيرة؟
تقف الأسواق العالمية اليوم على أرض مهتزة، ممزقة بين قوتين هائلتين تدفعانها في اتجاهين متعاكسين. من جهة، تتابع الأسواق بقلق بالغ تصعيد الإدارة الأمريكية في حربها التجارية ضد الصين، وهي حرب لم تعد تقتصر على الرسوم الجمركية، بل امتدت لتشمل تهديدات وجودية لسلاسل الإمداد العالمية. ومن جهة أخرى، تتعلق أنظار المستثمرين باجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي القادم في نهاية أكتوبر، منتظرين منه أن يلعب دور "المنقذ" مرة أخرى ويخفض أسعار الفائدة لتهدئة المخاوف وحماية الاقتصاد. هذه المعركة المزدوجة وضعت الأسواق، والفيدرالي نفسه، في فخ محكم، وبات المستثمرون يتساءلون: هل يمكن النجاة من هذه المعضلة؟
صلب الموضوع: المعضلة الكبرى بين السياسة والتضخم
لفهم خطورة الموقف الحالي، يجب أن نحلل طرفي المعادلة المستحيلة التي يواجهها الفيدرالي:
1. نار التضخم التي تشعلها السياسة التجارية: عندما تفرض الإدارة الأمريكية رسوماً جمركية مرتفعة على السلع الصينية، فإن النتيجة المباشرة هي ارتفاع تكلفة هذه السلع على المستهلك والشركات الأمريكية. هذا الارتفاع في التكاليف ليس مجرد رقم في تقرير، بل هو وقود مباشر يغذي التضخم (Inflation). في الظروف الطبيعية، عندما يرتفع التضخم، يكون العلاج الاقتصادي التقليدي واضحاً ومباشراً: يقوم البنك المركزي (الفيدرالي) برفع أسعار الفائدة لكبح جماح الأسعار وتشجيع الادخار. لكن الظروف الحالية أبعد ما تكون عن الطبيعية.
2. رياح الركود القادمة من الحرب نفسها: في نفس الوقت الذي تشتعل فيه الأسعار، تقوم الحرب التجارية بخنق النمو الاقتصادي. حالة عدم اليقين تدفع الشركات إلى تأجيل خططها الاستثمارية والتوسعية. اضطراب سلاسل الإمداد يقلل من الإنتاجية، والتوترات العالمية تضعف الطلب الخارجي. كل هذه العوامل مجتمعة تشكل ضغطاً هائلاً على سوق العمل وتهدد بدفع الاقتصاد نحو الركود (Recession). وهنا يأتي دور الفيدرالي "المنقذ"، حيث تتوقع الأسواق منه أن يقوم بخفض أسعار الفائدة لتحفيز الاقتصاد وتشجيع الاقتراض والاستثمار.
النتيجة: الفيدرالي في وضع لا يُحسد عليههنا يكمن الفخ. الفيدرالي الأمريكي أصبح مجبراً على السير على حبل مشدود فوق وادٍ سحيق.
- إذا خفض الفائدة استجابةً لمخاوف الركود، فإنه يخاطر بفقدان السيطرة تماماً على التضخم الذي تغذيه الرسوم الجمركية، مما قد يؤدي إلى "ركود تضخمي" (Stagflation)، وهو أسوأ كابوس اقتصادي.
- وإذا أبقى على الفائدة مرتفعة أو قام برفعها لمكافحة التضخم، فإنه يخاطر بتسريع وتيرة الانزلاق نحو ركود اقتصادي حقيقي، ويظهر كأنه يتجاهل المخاطر التي تهدد سوق العمل.
ماذا يعني هذا للمستثمر الذكي؟
في خضم هذه الفوضى، تبرز عدة حقائق يجب على المستثمرين الانتباه إليها:
- الذهب يزداد بريقاً: في بيئة محكومة بعدم اليقين، حيث تتصارع فيها السياسة النقدية مع السياسة التجارية، يفقد الدولار بعضاً من جاذبيته، بينما يثبت الذهب نفسه مرة أخرى كالملاذ الآمن الأهم لحماية الثروات.
- الأسهم رهينة التقلبات: لم تعد أسواق الأسهم تتحرك بناءً على أرباح الشركات وبيانات النمو فقط، بل أصبحت رهينة تغريدة أو تصريح. التقلبات العنيفة ستكون هي القاعدة وليست الاستثناء، مما يخلق فرصاً للمضاربين ومخاطر عالية للمستثمرين على المدى الطويل.
- النفط تحت ضغط مزدوج: بينما تدعم المخاطر الجيوسياسية أسعار النفط، فإن المخاوف المتزايدة من تباطؤ الاقتصاد العالمي بسبب الحرب التجارية تضعف توقعات الطلب، مما يخلق ضغطاً هبوطياً قد يكون هو الأقوى على المدى المتوسط.
الخاتمة: قواعد اللعبة قد تغيرت
إن ما نشهده اليوم هو تحول جوهري في طبيعة الأسواق. لم يعد التحليل الاقتصادي الكلاسيكي كافياً لفهم تحركاتها. لقد أصبحت الأسواق مرآة مباشرة للقرارات السياسية المتقلبة وغير المتوقعة. المستثمر الناجح في هذه الحقبة الجديدة ليس من يملك أفضل النماذج الرياضية، بل من يمتلك القدرة على قراءة المشهد السياسي، وفهم تأثيره المباشر على معنويات السوق، والأهم من ذلك، من يعرف كيف يدير المخاطر ويحمي محفظته في عالم محكوم بعدم اليقين. ففي نهاية المطاف، عندما يبدأ السياسيون في رسم خرائط الاقتصاد، يجب على المستثمرين أن يتعلموا كيفية الإبحار في العاصفة.
باسل عبيدات / متداول بالاسواق المالية العالمية
