انهيار أسهم شركات التعدين الأوروبية مع استمرار هبوط الذهب والفضة الحاد
ميشال صليبي.
كبير محلّلي الأسواق المالية في FxPro.
تتجه الأنظار العالمية إلى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الذي يعقد اجتماعه الحاسم يومي 28 و29 أكتوبر، في حدث يُعد الأبرز هذا الأسبوع على الإطلاق. فقد أصبحت الأسواق شبه متيقّنة من أن الفيدرالي سيقدم على خفض أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، ليصبح النطاق المستهدف بين 3.75% و4.00%، في خطوة تمثل بداية مرحلة جديدة في السياسة النقدية الأمريكية بعد أطول فترة تشديد منذ أربعة عقود.
يأتي هذا القرار المحتمل في توقيتٍ دقيق يشهد فيه الاقتصاد الأمريكي تباطؤاً تدريجياً في وتيرة التضخم مع استمرار مرونة مؤشرات النمو. هذا المزيج يمنح الفيدرالي مساحة للتحرك نحو تيسير محسوب ومدروس دون المخاطرة بفقدان السيطرة على استقرار الأسعار. فالضغوط التضخمية تراجعت بوضوح، ومؤشرات النشاط الاقتصادي مثل مؤشر مديري المشتريات (PMI) لا تزال تشير إلى توسّع معتدل، في حين يبقى سوق العمل متماسكاً رغم تباطؤ وتيرة التوظيف ونمو الأجور. وفي خطابه الأخير في واشنطن، أقرّ رئيس الفيدرالي، جيروم باول، بأن “الاستمرار في تشديد السياسة النقدية لفترة أطول مما يلزم قد يشكّل خطراً على الاقتصاد”، في تصريحٍ يُعد تحولاً واضحاً في نبرته نحو قدرٍ أكبر من المرونة مقارنة بتصريحاته السابقة التي اتسمت بالحذر والخشية من عودة التضخم. هذه الإشارة، وإن كانت حذرة، إلا أنها فتحت الباب أمام الأسواق لتوقّع بداية دورة خفض تدريجي للفائدة خلال الأشهر المقبلة.
ما هي السيناريوهات المطروحة:
سيناريو خفض الفائدة بنبرة تيسيرية واضحة
إذا جاء القرار مقروناً بلهجة تيسيرية من باول، تؤكد استعداد الفيدرالي للاستمرار في دورة الخفض خلال العام المقبل، فمن المرجح أن نشهد موجة صعود واسعة في شهية المخاطرة عبر مختلف الأصول المالية. الذهب سيكون المستفيد الأول، إذ إن تراجع العائد الحقيقي وضعف الدولار عادةً ما يعززان الطلب عليه كملاذ آمن واستثمار بديل. كما يُتوقع أن تسجل الأسهم الأمريكية ارتفاعات قوية، خصوصاً في القطاعات الحساسة لأسعار الفائدة مثل التكنولوجيا والعقارات والخدمات المالية، حيث سيؤدي انخفاض تكلفة التمويل إلى تحفيز النمو والربحية.أما مؤشر الدولار (DXY)، فسيواجه ضغوطاً بيعية نتيجة تراجع العوائد وتحوّل التدفقات نحو الأصول ذات المخاطر الأعلى، بينما ستواصل عوائد السندات الأمريكية الهبوط على الآجال القصيرة والمتوسطة، مما يعكس تسعير الأسواق لمزيد من الخفض في المستقبل القريب.
سيناريو خفض الفائدة بنبرة حذرة أو متوازنة
أما إذا قرر الفيدرالي خفض الفائدة فعلاً، لكن مع نبرة حذرة ومتوازنة تشير إلى أن الخطوة لا تمثل بداية دورة خفض طويلة، فإن رد فعل الأسواق سيكون أكثر تحفظاً.في هذا السيناريو، سيؤكد باول أن أي قرار لاحق سيعتمد على تطورات البيانات الاقتصادية، خصوصاً مسار التضخم وسوق العمل.ستتحرك أسعار الذهب في نطاق جانبي نتيجة توازن بين ضعف الدولار من جهة وغياب إشارات واضحة على استمرار التيسير من جهة أخرى. وستواصل الأسهم الأمريكية الصعود بوتيرة أبطأ مع احتمالات لجني أرباح مؤقتة بعد الارتفاعات الأخيرة. كما ستبقى عوائد السندات مستقرة نسبياً مع ميل طفيف للانخفاض، في ظل غياب اتجاه واضح للفائدة خلال الأشهر المقبلة.
تؤكد تطورات هذا الأسبوع أن العالم يدخل مرحلة جديدة من إعادة ضبط السياسة النقدية بعد عامين من التشديد العنيف الذي استهدف كبح التضخم. فالبنوك المركزية الكبرى , من الاحتياطي الفيدرالي إلى البنك المركزي الأوروبي وبنك كندا بدأت ترسل إشارات واضحة إلى أن مرحلة السياسة المقيدة تقترب من نهايتها. لكن هذا التحول لا يعني عودة فورية إلى سياسة التيسير الواسع، بل يشير إلى مرحلة انتقالية دقيقة تختبر فيها الاقتصادات قدرتها على التكيف مع مستويات فائدة لا تزال مرتفعة نسبياً دون الانزلاق نحو الركود.
في هذا السياق، يظل الاحتياطي الفيدرالي المحرك الرئيسي لاتجاهات الأسواق العالمية. فكل تغيير في لهجة جيروم باول أو في مسار الفائدة الأمريكية سيكون له أثر مباشر على تدفقات رؤوس الأموال، وقوة الدولار، وأسعار الذهب، وحركة الأسهم والسندات على حد سواء.
كما أن أي انحراف غير محسوب في وتيرة الخفض أو التواصل مع الأسواق قد يخلق تقلبات حادة في الأصول عالية الحساسية للفائدة، مثل السندات طويلة الأجل أو عملات الأسواق الناشئة.
