تاسي ينهي جلسة الاثنين على مكاسب تجاوزت 1% بعد أسوأ هبوط في 10 أشهر
في وقت تبدو فيه العيون مشدودة نحو كل فِعل أو تصريح يصدر عن صناع السياسة أو بيوت المال، يظهر المعدن الأصفر مرة أخرى في دائرة الضوء ليس كمجرد سلعة، بل كرمز للمخاطر المُستجدة والفرص الكامنة. في عام 2025 شهدنا تحوّلاً مهماً في مسار الذهب، لذا يجدر بنا في هذه الوقفة أن نقرأ بجدية: ما الذي أوصله إلى ما هو عليه؟ وما هي السيناريوهات المقبلة؟ وما موقع المستثمر الكويتي – أو العربي – في خضم هذا السيناريو؟
ملخص ما حقّقه الذهب حتى الآن
- في أكتوبر 2025، اخترق الذهب لأول مرّة حاجز 4,000 دولار للأوقية، بعد تحرّك سريع من نحو 3,500 دولار إلى ما فوق 4,000 في أقلّ من أسبوعين تقريباً.
- حسب بيانات مختلفة، فان ارتفاعه هذا العام قرابة 50٪ مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي.
- التوقعات من كبريات المؤسسات المالية تشير إلى أن المعدن قد يواصل الصعود، فمثلاً JP Morgan تقول إنه قد يبلغ متوسط السعر نحو 5,055 دولار للأوقية في الربع الرابع من 2026.
- من جهة تحليل فني، هناك تنبيه إلى احتمال تصحيح سريع يصل إلى 20٪ أو أكثر بعد هذه الموجة الصاعدة. (
باختصار: الذهب لم يعد مجرد تلوّن في المحفظة، بل أصبح لعبة احتياطات وتنظيم استراتيجي، مع حجم مخاطرة لا يُستهان به.
محركات الصعود… ولماذا ارتفع الذهب هذه المدة؟
لفهم ما يحدث، نحتاج إلى فصل العوامل الرئيسية وفهم تأثيرها على الذهب.
أ. التوترات الجيوسياسية والاقتصادية
في عالم يشهد تصعيدات متعددة (من الحرب الروسية – الأوكرانية إلى توترات في الشرق الأوسط والتنافس التجاري العالمي)، يبحث المستثمرون عن ملاذات آمنة. الذهب كان من أبرزها. تحليل حديث أشار إلى أن الطلب من البنوك المركزية، وتنامي مخاوف الدين والعجز، وتراجع الثقة بالدولار الأميركي كلّها كانت عوامل داعمة. (
ب. ضعف الدولار الأميركي وتيسير السياسة النقدية
عندما يضعف الدولار أو حين تتجه سياسات البنوك المركزية نحو خفض الفائدة أو التيسير، يصبح الذهب أكثر جاذبية كأداة للحفظ من التضخم أو من فقدان القيمة. هذا التحسّس يظهر واضحاً في تحليلات «الذهب تجاوز 4 000 دولار.
ج. تغيّر في سلوك البنوك المركزية والمستثمرين المؤسسيين
ما كان يُنظر إليه سابقاً كمعدن احتياطي ثانوي، بات اليوم في قلب محادثات صناع القرار والميزانيات. البنوك المركزية تعمل على تنويع الاحتياطات، والمستثمرون يتداخلون مع تدفقات الملاذات والمضاربات.
د. عناصر فنّية – الزخم والمُراجَعة
من جهة فنية، الصعود السريع أوجد مستويات مقاومة، وتجمّعاً للمضاربين وجني الأرباح، ما يضع احتمالاً كبيراً لتصحيح. تحليل فني يقول إنه عند كسر مستوى الدعم ~4,055 $ فإنه قد يتجه نحو مستويات ~3,910 $ أو أقل
لماذا نشهد هبوطاً متزامناً مع كل هذا الصعود؟
قد يتساءل القارئ: إن كانت عوامل الصعود قد توافرت، فلماذا نشهد في بعض اللحظات تراجعاً في السعر مثلما شاهدنا؟ الجواب يكمن في طبيعة السوق:
- صعود سريع مثل هذا يجذب المضاربين الذين قد يغلقون مراكزهم عند أول فرصة تحقيق ربح، ما يؤدي إلى ضغط هبوطي.
- التوقعات بأن البنوك المركزية قد تخفّف التيسير أو أن الدولار قد ينتعش تُلحّ في ذهن المستثمر، فتُقدم الخروج من الذهب كخيار.
- السوق يُدخل التصحيح كجزء من الحركة الطبيعية بعد قفزات قوية. تحليل يقول “التصحيح الصحي بعد ارتفاع ممتد”.
الوضع الآن: هل هو فرصة أم مخاطرة؟
من وجهة نظر استراتيجية، يوجد أمامنا الآن “نافذتان” متناقضتان في الوقت ذاته: فرصة استمرار الصعود، ومخاطرة وقوع تصحيح مؤلم.
سيناريو الصعود المحتمل
- إذا واصلت البنوك المركزية التيسير، واستمر ضعف الدولار، وتزايد الطلب من الاحتياطي المركزي، فقد نشهد الذهب يتجاوز مستوى 4,500-4,700 $ للأوقية خلال 2025-2026.
- المؤسسات مثل JP Morgan ترى متوسطاً للسعر عند ~5,055 $ في نهاية 2026. (
سيناريو التصحيح أو الهبوط
- إذا ارتفعت الفائدة الأميركية أو تعافى الدولار بقوة أو هدأت التوترات الجيوسياسية، فإن الضغط على الذهب قد يصبح كبيراً، ويُحتمل تراجع إلى ما دون ~4,000 $ أو أدنى (~3,900-3,800 $) بحسب تحليلات فنية.
- التصحيح قد يأتي بسرعة، لأن السوق الآن في حالة “تشبع شراء” مؤقتة
ماذا يعني هذا للمستثمر الكويتي؟ (وخاصة من منظوري في شركة أمواج كابيتال)
أدرك أن القارئ هنا ليس مضارباً محترفاً في الغالب، بل قد يتعامل بمبلغ مخصص لحفظ القيمة أو لتحقيق عوائد معتدلة. من هذا المنطلق:
- تنويع المحفظة: الذهب يمكن أن يشغل حيزاً محافظاً ضمن المحفظة، ليس كمقامرة، بل كغطاء ضد الأحداث.
- عدم الدخول بمفرده: لا ينبغي أن يكون الذهب كل شيء؛ فمن الأفضل أن يكون ضمن مزيج من الأصول (أسهم، سندات، سيولة، عقارات…)
- توقيت الدخول: الدخول عند السعر الحالي (أو بعد تصحيح محتمل) قد يكون أكثر حكمة من اللحاق بالركب عند القمة.
- مدة الأفق: إذا كان الأفق قصير الأجل (<12 شهر) فإن المخاطر أعلى؛ أما إذا كان الثور طويل الأجل (>3-5 سنوات)، فالذهب قد يكون اختياراً جيداً.
- التكلفة والرسوم: في الكويت يجب النظر إلى تكاليف الشراء، التخزين (إن ذهب فيزيائي) أو تكاليف الصناديق، وتأثير العملة (الدينار/دولار) على العائد.
- التوجيه من شركة أمواج كابيتال: نؤكد أن الشركة لا تقدّم توصيات مباشرة، ونحرص على أن يكون أي استثمار مبنياً على فحص كامل للظروف والمخاطر.
التوصيات الرئيسية (بحرفية رئيس التحرير المخضرم)
- اعتبر الذهب أداة “تأمين” أكثر منها “استنساخ ثروة”.
- إن دخلت، فادخل بحصة متواضعة (مثلاً 5-10٪ من المحفظة) ولا تراهن على مضاعفة رأس المال عبره.
- راقب المحفزات الثلاث: الفائدة الأميركية، سعر الدولار، وحجم مشتريات البنوك المركزية – تغير أي منها قد يُغَيّر الصورة.
- كن مستعداً نفسياً لاحتمال تصحيح حاد. لا تجعل نفسك ضحية “الأعصاب المضطربة” إذا شاهدت تراجعاً.
- تابع السوق بوعي، لكن لا تجعله يأخذ كل تفكيرك – فالانشغال الدائم قد يؤدي إلى قرارات انفعالية.
- لكل مستثمر كويتي: افحص كيف تتفاعل أسعار الذهب بالدينار الكويتي – فالعملة المحلية ستكون العامل الأخير في العائد الفعلي.
مشهد الذهب
نحن اليوم أمام مشهد ذهب يرتقي إلى مستوى رمزي ومعنوي، لا مجرد سعر يُسجّل على الشاشة. ما بدأ كمعدن احتياطي في أرصدة البنوك تحول إلى بوصلة للمستثمرين في وقت الأزمات. ومع ذلك، فإن الرحلة ليست سهلة أو خالية من المخاطر.
إذا فكّرت أن تدخل، فافعل ذلك بعين المستقبل، بصبر، وبوعي كامل بأن الطريق قد يكون مضيئاً — لكن قد يتخلله عواصف.
وأخيراً: في ظل التقلبات، الصدى الأقوى ليس في القفز فوق القمة، بل في كيف تحافظ على موقعك عندما يبدأ الركوب أو الهبوط. في هذا المضمار، الحكمة ليس اختيارَ «الموجة العالية»، بل «مواصلة السير» عند الحاجة.
نأمل أن يكون هذا المقال إسهاماً فكرياً يخدم قرّاء الصحيفة الكرام، ويُثري الخطاب الاستثماري في الكويت والمنطقة.
