تحليل استراتيجي لارتفاع أسعار الذهب وسط ترقب قرار الفيدرالي الأميركي وخفض الفائدة

تم النشر 05/11/2025, 15:53

 

في يوم يشهد تحوّلاً مهماً في ملامح المشهد الاقتصادي العالمي، عاد الذهب ليحتل مكانة بارزة في الأسواق المالية. بعد تراجع مفاجئ إلى أدنى مستوى له خلال ثلاثة أسابيع، شهدنا اليوم الأربعاء ارتفاعاً في سعر الأوقية، في ضوء عودة التدفقات نحو المعدن النفيس كملاذ آمن، وترقب القرار المرتقب من مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بشأن سعر الفائدة. هذا التحول ليس مجرد حركة فنية بل يحمل دلالات أعمق، تستوجب وقفة تحليلية استراتيجية.

الخلفية السوقية – ما حدث ولماذا

اليوم، ارتفع سعر الذهب الفوري بنسبة تقارب 1.4٪ إلى نحو 4 007.61 دولاراً للأوقية، بعد أن سجل خلال الجلسة السابقة مستوى منخفضاً لم يتم الوصول إليه منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول. هذا الانخفاض المؤقت شكّل نقطة انعطاف، إذ استفادت منه قوًى شرائية تراجعت أثناء موجة الهبوط القصير.

في العقود الأميركية الآجلة، سجل تسليم ديسمبر ارتفاعاً بنحو 1.05٪ إلى 4 025.10 دولاراً للأوقية، ما يعكس تفاؤلاً نسبياً من قبل المضاربين والمتعاملين المستقبليين.

وعند تحليل ما سبق، نلحظ عاملين رئيسيين في الخلفية:

 

  • إقبال متجدد على الملاذات الآمنة، نتيجة ما يسمى “إعادة ضبط” من قبل بعض المستثمرين الذين نقلوا مراكزهم من أدوات أكثر مخاطرة نحو الذهب، بعد أن اختبروا مستويات منخفضة في الأسهم أو الأصول الأخرى.
  • ترقّب السياسات النقدية الأميركية، حيث من المتوقع على نطاق واسع أن يقوم الفيدرالي بخفض سعر الفائدة بربع نقطة مئوية، أو على الأقل إصدار لهجة ميسّرة نحو المستقبل. هذا الأمر يعزّز بريق الذهب، كونه يستفيد من بيئة الفائدة المنخفضة أو المتراجعة، مما يقلّل تكلفة “حيازة” الأصل الذي لا يعيد فائدة مباشرة.

 

إذ لا يمكن فصل هذا الارتفاع عن السياق الأوسع: من جهة، ضعف محتمل للدولار الأميركي وفوائد السندات الأميركية الحقيقية، ومن جهة أخرى، حالة تشكّك متصاعدة في النمو الاقتصادي العالمي، ما يعيد توجيه الانتباه نحو الأصول القادرة على حماية القيمة.

القوى الدافعة – لماذا الذهب مجدداً؟

لنقف قليلاً عند محركي هذا التحول:

أ. التوترات الجيوسياسية والاقتصادية

الذهب، كما هو معروف، “ملاذٌ وقت الشدّة”. ومع تفاقم نقاط عدم اليقين — سواء عبر تصاعد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين أو عبر المخاطر الجيوسياسية الناشئة — فإن الطلب على الذهب يرتفع. حسب تقرير صادر عن World Gold Council، فقد صعد الذهب في النصف الأول من 2025 بنسبة مئوية كبيرة مدعوماً بانخفاض الدولار الأميركي وبيئة الفائدة الثابتة نسبياً.

ب. سياسات البنوك المركزية وشراء المعدن من القطاع الرسمي

هذا ليس طلباً عشوائياً من الأفراد فقط، بل تشارك فيه البنوك المركزية والمؤسسات. ففي ظل تراجع الثقة التقليدية في الدولار الأميركي وفي الخزائن الحكومية – أو على الأقل في قدرتها على خلق عوائد موجبة في بيئة منخفضة الفوائد – بات الذهب خياراً متزايد الأهمية كجزء من مزيج الاحتياطي. وقد رفعت بعض الجهات توقعاتها لسعر الذهب مستقبلاً، تأثراً بهذه التوجهات.

ج. بيئة الفائدة الحقيقية والدولار الأميركي

عندما تكون أسعار الفائدة الحقيقية (أي بعد احتساب التضخم) منخفضة أو سالبة، يصبح الاستثمار في الذهب أكثر جاذبية، بالنظر إلى أنه لا يحمل فائدة لكن يكسب في بيئة التضخم/انخفاض العملة. ومع ترقّب الأسواق لتراجع الفائدة الأميركية، يزداد التحفيز نحو الذهب. كما أن ضعف محتمل للدولار يُعدّ عاملاً مساعداً، لأن الذهب يُسعّر بالدولار غالباً ويستفيد عند تراجعه.

التحديات والمخاطر – لماذا لا يمكن الاعتماد فقط على الاتجاه الصاعد؟

رغم العوامل المساندة، لا ينبغي تجاهل أن هناك ضغطاً ملحوظاً على الذهب:

 

  • إعادة ضبط مراكز المستثمرين قصيرة الأجل: كما أشار محللو OANDA، فإن جزءاً من التصحيح القصير في أسعار الذهب ناتج عن خروج المضاربين أو تعديل مراكزهم بعد الارتفاع السريع. هذا يعني أن الزخم الصاعد قد يواجه مقاومة في الأمد القريب.
  • المستويات الفنية المهمة والاختراقات: أي اختراق لمستويات دعم أو مقاومة قد يفتح باباً لموجة تصحيح أكبر.
  • تسارع النمو أو مفاجآت تضخمية/سياسات نقدية غير متوقعة: فإذا أظهرت بيانات النمو الأميركية صلابة أكبر من المتوقع، فقد يُبدي الفيدرالي تحفظاً في خفض الفائدة، مما قد يقلل جاذبية الذهب.
  • تكلفة الفرصة البديلة: عندما يرتفع العائد على السندات أو تتحسن الأسهم بقوة، يفقد الذهب بعض بريقه كملاذ.
  • طلب المجوهرات والصناعة: رغم الطلب الاستثماري القوي، إلا أن الطلب الصناعي/المجوهرات ضعيف نسبياً حالياً، ما يقلّل من دعم الجانب الآخر من السوق.

 

قراءة تقنية – أين يتمركز السعر؟

من منظور فني، فإن مستوى نحو 4 000 دولار للأوقية يشكّل منطقة ضغط نفسي سابقة، وقد يكون قد تحول إلى “منطقة مقاومة” قصيرة الأجل. من جهة أخرى، التراجع إلى ما دون هذا المستوى قد يدفع بعض المتعاملين إلى التوقف أو اتخاذ مراكب بيع.

بالتالي، فإن السيناريوهات الكبرى تبدو كالآتي:

 

  • السيناريو الإيجابي: استمرار الزخم الصاعد، مع تجاوز 4 100–4 200 دولار، بدعم من سياسة نقدية مُيسّرة، وضعف الدولار، وتدهور أو ضعف بيانات الاقتصاد الأميركي/العالمي.
  • السيناريو المحايد/السلبي: تصحيح إلى نطاق 3 800–3 900 دولار، بفعل تعديل مراكز أو مفاجأة إيجابية في بيانات النمو أو رفع مفاجئ للفائدة الأميركية، ثم انتظار إعادة تحرك السعر.

 

التوظيف الاستراتيجي في المحفظة – توصيات رئيسية

في ضوء ما سبق، وإذ نخاطب قراء الجريدة الواسعة الانتشار، أود أن أطرح عدداً من التوجهات الاستراتيجية التي أرى أنها تستحق النظر:

 

  1. تنويع الأصول وإعادة التوازن: لا تجعل الذهب وحده الركيزة، بل استخدمه كمكوّن دفاعي ضمن محفظتك، إلى جانب الأسهم، السندات، وربما بدائل أخرى.
  2. اغتنام فرص الشراء أثناء التراجع: إذا تراجع الذهب مؤقتاً – كما قد يحدث – فإننا نرى في ذلك فرصة دخول أفضل بدلاً من اللحاق بالقطار في ذروته.
  3. التركيز على الاستثمار طويل الأمد لا المضاربة القصيرة: النظرة المتوسطة إلى طويلة الأمد تبدو أكثر دعماً للذهب، بينما المضاربة قصيرة الأجل قد تُعرض المستثمر لموجة تصحيح مؤقتة.
  4. متابعة السياسات النقدية والمخاطر الجيوسياسية عن قرب: أي تغيير غير متوقع في قرار الفائدة الأميركية، أو اندلاع توتر جيوسياسي، قد يغيّر المعادلة بسرعة. كن مستعداً.
  5. إدارة مخاطرة السعر وتحليل التكلفة الفرصية: إذا دخلت عبر الذهب، فضع حدود خسارة أو خطة خروج واضحة، وتأكد أن تخصيصك لا يقل عن 5–10٪ من المحفظة (أو وفق ميولك وتحمل المخاطر)، وليس أكثر من ذلك بما يُعرضك لصدمات السوق الكبيرة.

 

 مستقبل الذهب – إلى أين؟

من المثير أن عدداً من المؤسسات الكبرى رفعت توقعاتها لسعر الذهب مستقبلاً:

 

  • J.P. Morgan تتوقع أن يصل المعدن إلى نحو 4 000 دولار للأوقية بحلول الربع الثاني من 2026، معَّدة هذا في إطار توجه صاعد هيكلي.
  • Goldman Sachs ترى هدفاً في النطاق 4 000 دولار تقريباً منتصف عام 2026، مع عوامل دعم أساسية مثل شراء البنوك المركزية.
  • استطلاع رأي لـ London Bullion Market Association توقع وصول السعر إلى نحو 4 980 دولاراً للأوقية خلال الـ12 شهراً المقبلة تقريباً.
  • وفي المقابل، هناك آراء أكثر تشدّداً تقول إن التصحيح قد يبدأ عاجلاً، مع احتمال نزول السعر إلى نحو 3 500 دولار في سيناريو سلبي.

 

بناءً على هذا الطيف من التوقعات، يمكن القول إن مستقبل الذهب لا يزال ملتهباً بالتوقعات والفرص — لكن ليس بلا مخاطرة.

نصيحة رئيسية

في الختام، أعيد التأكيد أن ما نشهده اليوم ليس مجرد حركة سعرية عابرة، بل انعكاس لتغيّرات أوسع في الأرضية الاقتصادية والسياسية: خفض محتمل للفائدة الأميركية، ضعف للدولار، ارتفاع للمخاطر الجيوسياسية، وطلب متزايد من “جهات غير تقليدية” مثل البنوك المركزية. في هذا المشهد، يصبح الذهب أكثر من أصل استثماري؛ إنه “تأمين” ضد ما لا نراه بعد.

لكن، وبكل وضوح، فإن الذهب ليس “مأمونة” بمعنى أنه بلا مخاطر. التصحيح وارد، والأسعار قد تتذبذب بشدة في الأمد القصير. لذا توصيتنا للقراء هي: استثمر بذكاء، قرّر مسبقاً مستوى الدخول والخروج، ولا تجعل الذهب الجزء الأكبر من محفظتك وحده. اجعل منه “حصة دفاعية” ضمن مزيج متوازن، واستعد لما قد يأتي من تحولات سريعة في السياسات أو مفاجآت اقتصادية.

إنّ لحظة اليوم هي لحظة استراتيجية: هل ستختار أن تراقب بصمت، أم أن تتخذ موقعاً استباقياً؟ القرار يعود لك، لكن العمل الواعي يتطلب أن تفهم ما وراء الأرقام، وأن تبني على تحليل لا على عواطف.

 

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.