انهيار أسهم شركات التعدين الأوروبية مع استمرار هبوط الذهب والفضة الحاد
في خطوةٍ كانت متوقعة على نطاق واسع، خفّض مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس خلال اجتماعه في 29 أكتوبر 2025، لينهي بذلك فترةً من الترقب الحذر في الأسواق. القرار جاء في سياق ما وصفه الفيدرالي بـ«إدارة المخاطر» وسط تباطؤ اقتصادي نسبي واستمرار توقف نشر بعض البيانات الرسمية بسبب الإغلاق الحكومي المؤقت، وهو ما جعل هذا الخفض بمثابة خطوة وقائية أكثر من كونه بداية دورة تيسير واسعة.
غير أن رد فعل الأسواق، ولا سيما سوق العملات، حمل مفاجأة نسبية. فقد شهد مؤشر الدولار الأميركي (DXY)، الذي يقيس أداء العملة الأميركية أمام سلة من العملات الرئيسية، تقلبات حادة فور صدور القرار قبل أن يعاود الصعود نحو مستوى 99–100 خلال الساعات التالية للإعلان. هذا الاتجاه الصعودي الطفيف، رغم خفض الفائدة، يعكس قناعة المستثمرين بأن الفيدرالي ربما يكتفي بهذه الخطوة في الوقت الراهن، خاصة بعد أن رافق القرار بيانٌ حذر يشير إلى أن مزيداً من الخفض لن يكون مضموناً في ديسمبر المقبل.
الأسواق بين الأثر الفوري والإشارات المستقبلية
عادةً ما يؤدي خفض الفائدة إلى تراجع الدولار نظراً لانخفاض العائد على الأصول المقومة به، لكن ما حدث هذه المرة يسلّط الضوء على أهمية "التوجيه المستقبلي للفيدرالي". إذ أوضحت تصريحات رئيس المجلس أن السياسة النقدية ستظل معتمدة على البيانات وأن أي خطوات لاحقة ستُتخذ بحذر شديد، ما أعطى الأسواق انطباعاً بأن دورة التيسير ستكون محدودة زمنياً، وبالتالي أبقى على قدر من القوة النسبية للعملة الأميركية.
في المقابل، ارتفعت عوائد السندات الأميركية القصيرة والمتوسطة الأجل بعد القرار، وهو ما دعم الدولار بشكل غير مباشر. فارتفاع العائدات يعزز جاذبية الأصول الدولارية مقارنة بنظيراتها الأوروبية والآسيوية، خاصة في ظل استمرار الفارق بين معدلات الفائدة الأميركية والعالمية.
لا تترك استثماراتك رهينة للجدل الدائر بين البيت الأبيض والفيدرالي حول خفض الفائدة. InvestingPro تزودك بتحليلات WarrenAI الشاملة التي ترصد تطورات السياسة النقدية وتأثيرها على مختلف فئات الأصول، مما يمكنك من اتخاذ قرارات استثمارية مدروسة.
أثر غياب البيانات الاقتصادية
الإغلاق الحكومي الذي تشهده الولايات المتحدة منذ أسابيع أدى إلى تأخير صدور عدد من المؤشرات الاقتصادية الحيوية، مثل بيانات التوظيف والإنتاج الصناعي. هذا «الفراغ المعلوماتي» جعل المستثمرين يعتمدون بشكل أكبر على تصريحات الفيدرالي وحركة العوائد في سوق السندات لتقدير الاتجاه العام للاقتصاد الأميركي.
في ظل هذا الغموض، فضّل المستثمرون التمسك بالدولار باعتباره ملاذاً آمناً يتمتع بسيولة عالية وقدرة على الصمود في أوقات عدم اليقين، وهو ما ساهم في استقرار المؤشر فوق مستويات الدعم الفنية رغم قرار الخفض.
تحركات العملات الرئيسية
في أسواق الصرف، تراجع اليورو والجنيه الإسترليني والين الياباني أمام الدولار بشكل طفيف بعد القرار، ما يعكس أن التأثير لم يكن مقتصراً على أسواق السندات فقط. المحللون الفنيون أشاروا إلى أن مؤشر الدولار قد يواجه مقاومات قوية في نطاق 100.5–101، لكنهم أكدوا أن أي تلميح من الفيدرالي إلى دورة خفض جديدة كفيل بإعادة الضغط الهبوطي على العملة الأميركية.
النظرة المستقبلية: قوة مؤقتة أم اتجاه صاعد؟
منذ بداية عام 2025 شهد الدولار فترات ضعف ملحوظ نتيجة تراجع توقعات النمو، إلا أن النصف الثاني من العام أظهر تعافياً تدريجياً مدعوماً بتراجع أسعار الطاقة وتحسّن نسبي في الإنتاج الصناعي. ومع قرار الخفض الأخير، يبدو أن الأسواق تسعّر حالياً احتمالاً أكبر لثبات الفائدة حتى نهاية العام، مع مراقبة دقيقة لأي تغير في لهجة الفيدرالي.
ويرى خبراء الاقتصاد أن مستقبل الدولار خلال 2026 سيتوقف على مسار التضخم والنمو في الولايات المتحدة، إضافة إلى تحركات البنوك المركزية الأخرى. فإذا واصل البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان سياستهما التيسيرية، سيظل الدولار محتفظاً بميزته النسبية، أما إذا بدأت تلك المؤسسات في التشديد النقدي تدريجياً، فقد يتراجع الزخم الحالي للدولار.
خلاصة المشهد
يمكن القول إن قرار الفيدرالي بخفض الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس لم يُحدث ضعفاً فورياً في الدولار كما كان متوقعاً، بل أدى إلى حركة متوازنة تجمع بين التقلب والمرونة. البيان المصاحب للقرار حمل رسائل طمأنة للأسواق بأن التيسير النقدي ليس بدايةً لدورة خفض طويلة، وهو ما منح الدولار دفعة محدودة مدعومة بارتفاع عوائد السندات الأميركية وغياب بيانات اقتصادية حاسمة.
وخلال الأسابيع المقبلة، ستتجه الأنظار إلى صدور بيانات التوظيف والتضخم المؤجلة، إضافة إلى محاضر اجتماع ديسمبر المقبل، لتحديد ما إذا كان الفيدرالي سيواصل خفض الفائدة أو يكتفي بما أُعلن. وحتى ذلك الحين، سيبقى الدولار محور التوازن في أسواق العملات العالمية، ما بين ضغوط التيسير النقدي ومتانة الاقتصاد الأميركي النسبية.
