فخ الموت في سوق الفضة.. كيف ابتلعت الموجة الأخيرة مدخرات المتداولين؟
المشهد الأول: تحت المِجهر
في يوم الاثنين 3 نوفمبر 2025، سجّل سعر الأوقية من الذهب قرب 4014 دولاراً — بعد تصحيحٍ قوي من القمة التاريخية التي بلغها يومئذٍ نحو 4381.50 دولاراً.
كان المشهد هادئاً ظاهرياً، لكن في الخلفية: المستثمرون يتنفسون بحذر، يعيدون تموضعهم، يسألون: هل هذا تصحيح مؤقت قبل صعود جديد، أو بداية انهيار أوسع؟
في هذه اللحظة، ينتظر الذهب ما يمكن تسميته “إما الانفراج أو الانكفاء” — فالمعدن الأصفر يقف بين صعودٍ محتمل أو تراجعٍ لا يُستهان به.
المشهد الثاني: القوى المُتناقِضة
ما يجعل هذا التوقيت دقيقاً هو اصطدام عاملين متعاكسين في نفس اللحظة:
1. تهدئة جيوسياسية محتملة
على الجانب الأول، هناك إشارات تُعدّ بمثابة “بوتقة هدوء” في ملفّاتٍ متأجّجة: على سبيل المثال، إمكانية تقدّم مفاوضات السلام بين أوكرانيا وروسيا، أو نفي Federal Reserve الأميركي نيّتها تزويد أوكرانيا بصواريخ «توماهوك». هكذا تهدأ زوبعة المخاطر، ويعود المستثمر ليرى الأسهم، السندات، الأصول الأعلى مخاطرة.
ومع انخفاض مخاطر الحرب أو التوتر التجاري، يقلّ الطلب التحوّطي على الذهب كملاذ آمن.
2. مخاطر لا تزال قائمة
على الجانب الآخر، لا تزال هناك بؤر توتّر تحوم في الأفق: النزاع الروسي-الأوكراني لم يُحلّ بعد، العلاقات الأميركية-الصينية تعيش نوبات توتر، والدول المركزية تواصل شراء الذهب لتحصين احتياطاتها.
بعبارة أخرى: حتى لو بدا أن الرياح تهدأ، لا يمكن استبعاد أن تعود العاصفة من جديد — مما يجعل الذهب لا يزال في دائرة الأمان لدى بعض المستثمرين.
هذان الاتجاهان المتضادّان يجعلان من الذهب اليوم «ساحة لعب» بين نزول محتمل وصعود مرهون بملفات معقّدة.
المشهد الثالث: العوامل التي تدفع الذهب للهبوط
دعونا نرى لماذا قد يرى الذهب تراجعاً في الأيام المقبلة:
- تباطؤ التوتر التجاري
تحسّن العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، وتراجع التهديدات بالرسوم الجمركية أو العقوبات — كل هذا قد يقلّل من “حاجز المخاطر” الذي جعل الذهب جذاباً. في الماضي، عند توقيع اتفاقيات تجارية كبرى، نظراً إلى أن الدولار الأميركي يرتفع ويميل المستثمرون إلى الأصول الأعلى عائداً، كان الذهب يتراجع.
- ارتفاع الدولار وأسعار الفائدة
الذهب، بطبيعته، لا يدرّ فائدة. وعندما يعود المستثمر إلى السندات والأسهم بفعل قوة الدولار أو رفع أسعار الفائدة من قبل الفيدرالي الأميركي، فإن الذهب يفقد حافزيه في هذه البيئة. الورقة تقول: كلما ارتفع الدولار أو تعاظم عائد السندات، كلما خفت الإغراء بالذهب.
- تسوية النزاعات الجيوسياسية
في الملف الروسي-الأوكراني مثلاً، إذا تمّ توقيع اتفاق أو تهدئة حقيقية، فهذا قد يؤدي إلى استقرار في أسواق الطاقة، تراجع في مخاطر التضخم، وعودة رأس المال للمخاطرة — مما يقلّ من الحاجة إلى الذهب كملاذ. يُذكر أن كل انخفاض بنسبة 10٪ في مؤشر المخاطر الجيوسياسية يمكن أن يؤدي عادة إلى تراجع في سعر الذهب بنحو 3-4٪ على المدى القصير.
بتجميع هذه العوامل، يشير عدد من الخبراء إلى أن المعدن قد يدخل في “موجة تصحيحية متوسطة إلى قوية” إذا أنهت هذه التطوّرات إلى تهدئة واسعة، وقد يتجه إلى مستويات بين 3800 و3700 دولار للأوقية، وربّما أقلّ مؤقتاً.
المشهد الرابع: لماذا لا يمكن استبعاد الصعود؟
لكن في المقابل، لا يمكن إغلاق باب الصعود — فهناك سيناريوهات تدعم استمرار السعر أو حتى العودة إلى قمم جديدة:
- استمرار المخاطر الجيوسياسية
لو فشلت مساعي التهدئة، أو ظهرت بؤر توتر جديدة (في الشرق الأوسط، أو في بحر الصين الجنوبي، أو في العلاقات الأميركية-الصينية)، فعندها قد يتحوّل أي تراجع إلى مجرد “استراحة قصيرة” قبل صعود جديد. الذهب هنا يعمل ك «تأمين» ضد الفوضى، ويأتي دوره عند ظهور «مخاطر غير محسومة».
- تراجُع العوائد الحقيقية وأسعار الفائدة
إذا بدأ Federal Reserve الأميركي في خفض الفائدة، أو عندما تهدأ التضخم وتبدأ العوائد الحقيقية (بعد خصم التضخم) في الانخفاض، فإن تكلفة الفرصة الذهبية تقلّ، وهذا يعطي دفعة للذهب من جديد. على هذا الأساس، يراه بعض المحللين يتجه نحو مستويات تتراوح بين 4400-5000 دولار للأوقية بحلول 2026.
- استمرار شراء البنوك المركزية وصناديق الاستثمار
الطلب الاستراتيجي على الذهب من قبل البنوك المركزية لم ينته، بل ربما ازداد كأحد أدوات التنويع والتحوّط. كذلك، صناديق الاستثمار المتداولة في الذهب تشهد تدفقات ضخمة، ما يمنح الذهب قاعدة دعم بديلة حتى لو انخفض الطلب الفردي.
المشهد الخامس: قراءة فنية أساسية
من الناحية الفنية، الذهب اليوم يقف عند «منطقة سعرية حساسة» — قرب 4000 دولار الأوقية — وهو رقم نفسي وتقني مهم. تجاوز هذا الرقم صعوداً أو كسره هبوطاً يحمل إشارات قوية للسوق:
- إذا تمكن الذهب من الحفاظ فوق الدعم عند ~4000 دولار، فقد يشهد ارتداداً باتجاه 4200-4300 دولار (أو أكثر).
- أما إذا اخترق الدعم نحو الأسفل بقوة، فقد ينطلق مسار الهبوط نحو 3800 دولار أو أقلّ، خصوصاً إذا تزامن مع موجة تهدئة عالمية.
من هنا، يتحول المشهد إلى “منطقة انتظار” — المستثمرون ينتظرون إشارة من الاقتصاد، السياسة، أو حتى من تصريحات المركزي الأميركي لتحديد الاتجاه.
المشهد السادس: ماذا يعني هذا للقارئ أو المستثمر العربي؟
من الكويت والمنطقة العربية حيث الذهب يشكّل جزءاً مهماً من محفظة الأفراد، تأتي مجموعة من النصائح التي قد تهمك:
- حدد هدفك من الذهب: هل تراه ملاذاً مؤقتاً، أم جزءاً من محفظة طويلة الأمد؟
- راقب التطورات الجيوسياسية والاقتصادية: التوترات بين القوى الكبرى، أو تصريحات مثل تلك الصادرة من رئيس الفيدرالي الأميركي جيروم باول، يمكن أن تغيّر الاتجاه سريعاً.
- تنوّع الأدوات: لا تعتمد فقط على الذهب الفعلي، بل فكر في أدوات أخرى (صناديق تداول، سبائك صغيرة، أو حتى الأسهم المرتبطة بالتعدين) إن كانت مناسبة لوضعك.
- كن جاهزاً لمرونة حركة السعر: إن دخل الذهب مرحلة تصحيح، قد يكون الانخفاض موقتاً — ويفتح فرصة شراء، وليس بالضرورة خروجاً كاملاً.
- نظرة محلية: في الكويت والمنطقة، لا تنسَ الفارق بين السعر العالمي وسعر السوق المحلي — الأوقية تتأثر أيضاً بأسعار الصرف، والرسوم، وعرض الطلب المحلي.
لحظة الحقيقة قريباً
اليوم، يقف الذهب عند مفترق طرق. أحد المسارات قد يقوده نحو تراجع منطقي إذا هدأت رياح المخاطر، والآخر قد يدفعه نحو مدارج جديدة إذا اشتدت العواصف. في هذه اللحظة، لا نملك الإجابة الحاسمة — بل نملك السيناريوهات، والعوامل التي يمكن أن تحسم الأمر.
للقارئ العربي، فإن ما يُهم اليوم ليس فقط «إلى أين سيذهب السعر غداً»، بل فهم “لماذا” — لماذا يتحرّك الذهب، ولماذا قد يتراجع، ولماذا قد يرتدّ. إن أدركنا ذلك، يصبح بإمكاننا أن نتحرّك بشكل مدروس، وليس مجرّد مراقب في الشطرنج.
وها نحن أيضاً بانتظار تلك اللحظة التي تُحدد الاتجاه القادم — فهل يكون تصحيحاً بسيطاً قبل صعود جديد، أم بداية هبوطٍ أكبر؟ فقط الأيام القليلة أو الأشهر القادمة ستجيب. وفي تلك الأثناء، سأبقى أمام الشاشة، أراقب، أكتب، وأحلّل — وأشارك معك كلّ جديد.
