الذهب يبلغ أعلى مستوياته في أسبوعين والنفط يصعد مع تفاؤل الأسواق

تم النشر 10/11/2025, 17:57

في خضم تطوّرات الأسواق العالمية المتلاحقة، يُسجّل المعدن الأصفر وسبايق الطاقة مفاجآت منتظَرة وغير منتظَرة في آن واحد. اليوم، نرى ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار الذهب، بالتزامن مع زيادة في أسعار النفط، في حين يُحافظ الدولار الأمريكي على استقراره النسبي، ما يفتح الباب أمام قراءة استراتيجية أوسع عن ما يجري، ولماذا نحن هنا، وليس هناك فقط.

منذ صباح اليوم، ارتفع سعر الأوقية من الذهب الفوري بنسبة تقارب 2 ٪، وهو ما أعاد الذهب إلى أعلى مستوياته في نحو أسبوعين. في المقابل، تحرّك سوق النفط صعوداً وسط تفاؤل شبه واضح بأن الإغلاق الحكومي الأمريكي قد يقترب من نهايته، ما يخفّف جزئياً من الضغط على الطلب على الطاقة.

إذن، ما هي الأسباب، وما الانعكاسات؟ ولماذا ينبغي على متخصّصي الاستثمار والمحلّلين والمراقبين في منطقتنا، بما فيها الكويت والمنطقة عموماً، أن يترقبوا هذه التحركات، لا من باب الفضول فقط، بل من باب اتخاذ القرار؟

السياق الكلي: لماذا الآن؟

  1. توقعات خفض الفائدة في الولايات المتحدة

تشير سوق المعدّلات إلى احتمال قوي بأن Federal Reserve (البنك المركزي الأميركي) سيُقدِم على خفض أسعار الفائدة في ديسمبر/كانون الأول. هذه التوقعات تغذّي توجهات الأسواق نحو الأصول التي تُعتبر تحوّطاً أو مخزن قيمة — كالذهب — بالنظر إلى أن العائد الحقيقي للأصول التقليدية قد يتراجع.

  1. ضعف أرقام الوظائف والمعنويات

الاقتصاد الأميركي أظهر مؤشرات ضعف، سواء من تراجع الوظائف أو من انخفاض معنويات المستهلكين إلى أدنى مستوى في نحو ثلاث سنوات ونصف. هذا الأمر يُعدّ ناقوس خطر لنمو الاقتصاد الأميركي والعالمي، ويعزّز التوجّه نحو الأصول الآمنة.

  1. تراجع الدولار وصعود الذهب

ارتفعت شهية المستثمرين للذهب ليس فقط بسبب توقعات الفائدة، بل أيضاً بسبب ضعف الدولار الذي يخدم الطلب العالمي على الذهب، إذ يصبح أرخص بالعملات الأخرى. هذا الأمر موّلد قوة إضافية للذهب كأداة تحوّط في بيئة عدم يقين.

  1. النفط بين طلب مهدَّد وطلب محتمل

في سوق الطاقة، من جهة، هناك تفاؤل بأن الإغلاق الحكومي الأميركي – الذي بلغ 40 يوماً – قد ينتهي قريباً، ما يعني إعادة تشغيل الطلب الأميركي على الوقود والنشاط الاقتصادي. من جهة أخرى، لا تزال مخاوف المعروض العالمي تفوق في بعض الأحيان التفاؤل، خصوصاً مع زيادة المخزونات وبطء النمو في المطالبات.

تحليل الذهب: فوق الـ 4000 دولار… هل هذا سقف أم بداية؟

لماذا الصعود؟

  • الذهب يُعدّ في الأساس أداة تحوّط: فعندما يتراجع العائد الحقيقي على السندات أو تضعف الثقة في النمو الاقتصادي، يولّي المستثمرون اهتماماً أكبر به.

  • الطلب من مصارف مركزية بدأ يتعزّز كركيزة إضافية.

  • الانخفاض النسبي للدولار وارتفاع المخاطر الجيوسياسية يعزّزان مكانة الذهب كملاذ آمن.

المفارقة: هل الصعود محدود؟

وفق ما تبيّنه تحليلات World Gold Council، رغم الصعود الكبير في النصف الأول من 2025 (حوالي 26 ٪ بالدولار الأميركي) فإن النمو الإضافي ربما يكون “جانبيّاً” أو محدوداً بـ 0-5 ٪ في النصف الثاني في حال عدم تدهور إضافي في الأوضاع الاقتصادية.

بالمقابل، إن حصل تدهور اقتصادي أكبر أو تصاعدت التوترات الجيوسياسية، فهناك مساحة لارتفاع إضافي قد تبلغ 10-15 ٪.

ماذا يعني تجاوز مستوى ~ 4,000 دولار؟

  • هذا الرقم ليس مجرد رمز؛ إنه يعكس اختراقاً نفسياً وسوقياً لعتبة بارزة.

  • لكن كسر سقف لا يعني أن الطريق ممهّد بالكامل: الأسواق قد تشهد تصحيحاً أو إعادة تقييم سريعاً في حال تغيّرت إحدى المدخلات (مثلاً: رفع احتياطي الفائدة، أو مفاجأة إيجابية في بيانات النمو الأميركي).

  • بالنسبة لسوق الكويت والمنطقة، فهذا يعني أن الشركات الاستثمارية وإدارة الأصول تحتاج أن تنظر في الذهب ليس كمجرد “شراء بسبب ارتفاع” وإنما كجزء من استراتيجيات تحوّط واسعة تشمل السيولة والذهب والعملات البديلة.

توصيات استراتيجية لمديري الأصول والمستثمرين

  • تنويع محفظة الذهب: ليس بهدف المضاربة القصيرة فقط، بل كأداة في فترات عدم اليقين.

  • مراقبة السيناريوهات الاقتصادية: تابع عن كثب بيانات الوظائف الأميركي، وتوقعات الفائدة، وحالة الدولار.

  • الوعي بـ “تكلفة الفرصة البديلة”: الذهب لا يدرّ فائدة، فإذا ارتفعت عوائد السندات أو تحسّنت المعنويات الاقتصادية، قد يتحول التفضيل إلى أصول أقل المخاطر أو أكثر سيولة.

  • الموقع الإقليمي مهم: للأسواق في الشرق الأوسط (مثل الكويت) التأثير مزدوج — من جهة سعر الذهب العالمي، ومن جهة الطلب المحلي والعوامل الثقافية. فلذلك فإن التوصية ليست “اشترِ كلما ارتفع” بل “اشترِ ضمن سياق استراتيجي واضح”.

تحليل النفط: بين طلب محتمل ومعروض مقلق

ما يحفّز الصعود حالياً؟

  • تقدم في مفاوضات إنهاء الإغلاق الحكومي الأميركي والذي بدا أنه يتّخذ منعطفاً إيجابياً في مجلس الشيوخ، ما رفع التفاؤل بإعادة تنشيط الطلب الأميركي على الوقود والنشاط الاقتصادي.

  • هذا التفاؤل انعكس في ارتفاع محدود بأسعار خامي برنت وغرب تكساس الوسيط.

ما يثبّط أو يقيّد الصعود؟

  • المخاوف من تخمة المعروض العالمي مستمرة، والمخزونات في الولايات المتحدة وآسيا ترتفع.

  • الاتفاق في إطار OPEC+ على زيادة طفيفة في الإنتاج، لكن مع تعليق الزيادات في الربع الأول من العام المقبل، ما يعني أن خزان التحفيز محتمل لكن ليس حراً بالكامل.

ماذا تستنتج المنطقة (خليجياً)؟

  • بالنظر إلى أن دول الشرق الأوسط – ومنها الكويت – تُعدّ بين منتجي الطاقة الرئيسيين، فإن تغيرات الأسعار تُعدّ مهمة جداً: سواء من حيث الإيرادات أو من حيث سياسات الاستثمار في الطاقة البديلة والمحافظة على الحصة السوقية.

  • أي صعود في السعر يُشكّل فرصة، لكن يُشترط ألا يكون انتعاشاً قصيراً فقط؛ لذا من الحكمة الاستثمار في القدرة على الصمود وليس فقط في اللحظة.

  • التنبّؤات الاستراتيجية تشير: “صعود محتمل، لكن ليس سباقاً مطلقاً نحو مستويات قياسية حتى تظهر دلائل أقوى على الطلب”. هذا يعني أن الشركات الاستثمارية والمُحلّلون يجب أن يحسبوا مثلث الطلب-المعروض-المخزونات بدقة أكبر.

توصيات عملية

  • الانكشاف المعتدل: بدلاً من المضاربة واسعة النطاق، يمكن اعتماد موقف “كسب من التحسين المتوقّع للطلب مع تأمين ضد تراجع مفاجئ”.

  • مراقبة البيانات الأميركية: مثل النشاط الصناعي، حركة الطيران، والكيلومترات المقطوعة يُعدّ مؤشرات مبكرة لاستهلاك الوقود.

  • الاستعداد ل سيناريوهات متعددة: سيناريو “الطلب يرتدّ فعلياً” مقابل سيناريو “الطلب يظل ضعيفاً والمعروض يتراكم”؛ ولكل منها خطة.

الربط بين الأسواق: ماذا يعني هذا كله للأصول الاستثمارية؟

العائد الحقيقي والتضخّم

عند خفض الفائدة الأميركية، أو على الأقل عند توقعه، ينخفض العائد الحقيقي (العائد الاسمي مطروحاً منه التضخم). هذا يرفع جاذبية الأصول غير المربوطة بالفائدة مثل الذهب، بينما يقلّل من جاذبية السندات ذات العوائد الثابتة.

العلاقة بين الدولار والمعادن

الدولار القوي يضغط على الذهب؛ أما الدولار الأضعف فيساعد ارتفاع الذهب لأن المشترين بعملات أخرى يجدونه أرخص.

الطاقة والنمو الاقتصادي

طلب النفط يُعدّ أحد مؤشرات النشاط الاقتصادي العالمي: ارتفاع الطلب على النفط يعني أن الاقتصاد يتحرّك، مما يشير إلى احتمالية تنشيط الاستثمارات، ويقلّل من الحاجة إلى التحوّط الشديد. أما الطلب الضعيف أو الإغلاق الحكومي الذي يُعمّق ضعف الطلب في أميركا فيُعدّ إشارة تحذير.

ماذا يعني للمستثمر في منطقتنا؟

  • إذا كنت تدير صندوق أصول أو استشارة عملاء في الكويت، فالمعادلة تقول: “ضع نسبة من الذهب كوقاية، لكن لا تضع كل الحبوب في سلة واحدة”.

  • في قطاع الطاقة: لا تتعامل مع ارتفاع السعر على أنه تلقى هدية مجانية، بل كنافذة مؤقتة ربما تتغيّر سريعاً إذا تأخر النمو أو ارتفع المعروض.

  • وضع سيناريوهات مرنة: مثلاً “لو خفضت الفائدة في ديسمبر، الذهب يرتفع، الدولار يضعف، النفط يرتفع” مقابل “لو الفائدة بقيت ثابتة أو ارتفعت، الذهب يتراجع، الدولار يقوى، النفط يتذبذب”.

قيّمة مراقبة ردّ تكيّف

في ختام هذه الرؤية – ونقولها كما هي – الأسواق اليوم تعطي إشارات قوية، لكنها ليست حلماً مضموناً.

ارتفاع الذهب إلى نحو 4,000 دولار للأوقية ليس نهاية الرحلة، لكنه مؤشر بأن القواعد تغيّرت إلى حدّ ما: البيئة التي كان يُربح فيها مرتفع الفائدة أو الدولار القوي انتهت على الأقل مؤقتاً.

أما النفط، فبينما الاستعداد لطلب متجدّد يبدو واقعياً، إلا أن ظلّ “معضلة المعروض” لا يزال مسيطراً ويحدّ من صعود حُرّ واسع.

لكم في الكويت، ومع شركتكم في إدارة الأصول والخدمات المالية، هذا هو وقت المراجعة الاستراتيجية لا وقت الزهو أو التراخي. وكونوا مستعدين أن تحوّلوا المفاجآت إلى ميزة، لا أن تُفاجَأوا بها.

في المرات القادمة حين نشاهد تحوّلات في البيانات أو تغييرات في السياسات الأميركية أو تحرّكات في الشرق الأوسط تؤثر على الطاقة أو المعادن، تأكّدوا أنكم لديكم خطة واضحة: ما الذي ستفعله «إذا …».

وفي النهاية: لا نخاف من الانعكاسات، بل نستعد لها. لأن من يرفض أن يُرى عن قرب، غالباً ما يأتيه متعلقاً.

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.