عاجل: البيتكوين تنهار إلى 75 ألف دولار..وخسائر 11.6% أسبوعيًا
على مدار عقدين (1987-2006)، لم يكن هناك شخص يمتلك تأثيراً على الأسواق العالمية مثل ألان غرينسبان.لُقب بـ "المايسترو"، لقدرته على ضبط إيقاع الاقتصاد بكلمات مُصاغة بدقة جراحية وغموض مقصود، فيما عُرف تاريخياً بـ "لغة غريسبان" (Greenspanese).
بدأ غرينسبان، الذي سيتم مائة عام من عمره في السادس من مارس القادم، حياته كعازف جاز، لكنه سرعان ما انتقل لعالم الاقتصاد. عينه رونالد ريغان عام 1987 رئيساً للاحتياطي الفيدرالي. واجه في بداياته الاثنين الأسود (انهيار البورصة)، ونجح في تهدئة الأسواق، ليبدأ عصره الذهبي الذي تميز بأطول فترة توسع اقتصادي في تاريخ أمريكا.

كان غرينسبان يؤمن بأن أي تصريح مباشر هو "خطر" قد يثير الذعر. اعتمد أسلوبه على الجمل الدائرية بالتحدث لساعات دون منح التزام صريح، والتحوط الدائم باستخدام عبارات مثل "ربما" و"في ظل ظروف معينة" لترك خط رجعة.وتظهر فلسفته اللغوية في جملته الأشهر
"إذا بدوتُ لك واضحاً بشكل غير عادي، فمن المحتمل أنك قد أسأت فهم ما قلته".
وكانت قناعة غرينسبان الراسخة هي أن لغته يمكن أن تكون "أداة سياسة" بحد ذاتها، تغنيه أحياناً عن اتخاذ إجراءات قاسية. وتجلى ذلك في محاولته كبح فقاعة "الدوت كوم"، ففي عام 1996، وبدلاً من رفع الفائدة، أطلق غريسبان الجملة الشهيرة الأخرى ليحذر الأسواق من تضخم أسعار الأسهم
"كيف نعرف متى تكون المبالغة اللاعقلانية قد رفعت أسعار الأصول بشكل غير مبرر؟"
لم يقل السوق سينهار، ولم يرفع الفائدة، بل رمى حجراً في المياه الراكدة. وكان يعتقد أن هذه الإشارة اللفظية المبطنة ستجعل المستثمرين يراجعون أنفسهم ويقومون بتصحيح ذاتي للسوق دون تدخل منه.

قناعة غرينسبان كانت مفرطة في التفاؤل بقوة لغته. فبعد خطابه الشهير، ارتبكت الأسواق لليلتين فقط، ثم واصلت الصعود بجنون أكبر. اكتشف غريسبان (متأخراً) أن "اللغة" مهما كانت بارعة، لا يمكنها الوقوف في وجه الطمع البشري الجامح. لقد حاول أن يكون طبيباً نفسياً للاقتصاد يداويه بالكلمات، لكن المريض كان يحتاج إلى "جراحة" لم يجرؤ غرينسبان على القيام بها في الوقت المناسب خوفاً من كسر موجة الازدهار.
يُتهم غرينسبان بأن سياسة الأموال الرخيصة (الفائدة المنخفضة) التي انتهجها بعد أحداث 11 سبتمبر، وتساهله مع الرقابة على المشتقات المالية، هي التي زرعت بذور أزمة الرهن العقاري 2008. واعترف لاحقاً في جلسة استماع بالكونغرس بوجود "خلل" في نموذجه الفكري.
لقد تطورت اللغة من بعد غرينسبان بلمسة برنانكي الأكاديمية، مرورًا بنبرة جانيت يلين الناعمة المهذبة، وصولًا لوضوح باول النسبي، لكن الجوهر لم يتغير. رغم أن جيروم باول يتحدث اليوم لغة مفهومة لعامة الناس، إلا أن "روح" غرينسبان لا تزال تسكن مبنى الفيدرالي. ما تبقى من لغته هو "الحذر الاستراتيجي". اليوم، عندما يستخدم الفيدرالي كلمة مثل (الاعتماد على البيانات)، فهي الوريث الشرعي لغموض غريسبان؛ جملة واحدة تمنح البنك الحق في فعل أي شيء ونقيضه في الاجتماع القادم بناءً على الظروف، دون أن يقع في فخ الوعد القاطع.
ألان غرينسبان، الرجل الذي كان يراقب مؤشرات ميدانية غريبة جدًا لقياس حالة الاقتصاد مثل "مبيعات الملابس الداخلية للرجال"؛ فإذا انخفضت، علم أن الرجال يمرون بضائقة مالية تجعلهم يؤجلون شراء الضروريات، وهو مؤشر ركود أدق عنده من تقارير واشنطن، هذا الرجل منح الفيدرالي أداة سياسة نقدية قائمة بذاتها.وأصبحت اللغة جزء من السياسة نفسها.
