تقرير الوظائف الأمريكي، أرقام هادئة تؤكد أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد

تم النشر 09/01/2026, 20:13

جاء تقرير الوظائف الأمريكي لشهر ديسمبر في توقيت بالغ الحساسية للأسواق، حيث تبحث عن أي إشارة تؤكد ما إذا كان الاقتصاد يتجه نحو هبوط ناعم أم يقترب من نقطة تحول أكثر حدة. وبعد أشهر من أرقام ضعيفة ومراجعات سلبية متتالية، كانت التوقعات تميل إلى تحسن محدود دون إشعال مخاوف التضخم أو كبح مسار خفض الفائدة. الأرقام الصادرة لم تخالف هذا السيناريو، بل عززته، مقدمة صورة لسوق عمل يبرد تدريجيا دون أن ينكسر، ويمنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة للاستمرار في نهجه الحذر، مع انتقال تركيز المستثمرين من البيانات الكلية إلى تفاصيل أعمق تتعلق بالأجور وجودة التوظيف واتجاه التضخم الأساسي.

تقرير الوظائف الأمريكي، تباطؤ محسوب يثبت الفيدرالي على مساره

جاء تقرير الوظائف الأمريكي لشهر ديسمبر مطابقا تقريبا لما كانت الأسواق تتوقعه، لا مفاجآت صعودية تثير مخاوف إعادة تسخين الاقتصاد، ولا ضعف حاد يفرض على الاحتياطي الفيدرالي التحرك السريع. النتيجة كانت ما يمكن وصفه بتقرير ذهبي يعزز سيناريو الهبوط الناعم ويبقي السياسة النقدية على وضع الطيار الآلي.

نمو وظائف محدود لكن ضمن النطاق المريح للأسواق

أظهر تقرير مكتب إحصاء العمل أن الاقتصاد الأمريكي أضاف نحو 50 ألف وظيفة فقط في ديسمبر، وهو رقم أقل بقليل من التوقعات، لكنه يقع تماما داخل النطاق الذي تراه المؤسسات الكبرى، مثل  جي بي مورجان مثاليا للأسواق. هذا المستوى من التوظيف يشير إلى اقتصاد لا ينهار، لكنه أيضا لا يسخن بما يكفي لإجبار الفيدرالي الأمريكيعلى إيقاف مسار التيسير النقدي.

الأكثر لفتا للانتباه أن بيانات الأشهر السابقة استمرت في الاتجاه ذاته، حيث جرى خفض أرقام أكتوبر ونوفمبر بإجمالي 76 ألف وظيفة. ومع هذه المراجعات، يصبح عام 2025 عاما استثنائيا من حيث النمط، إذ تم تخفيض القراءة الأولية للوظائف في كل شهر من أشهر العام، ما يعكس ميلا واضحا للمبالغة الأولية ثم التصحيح اللاحق.

البطالة تنخفض، لكن الصورة ليست وردية

رغم ضعف نمو الوظائف، تراجع معدل البطالة إلى 4.4% من 4.5%، وهو تحسن طفيف لكنه لا يغير حقيقة أن البطالة ما زالت عند أعلى مستوياتها منذ 2021 باستثناء نوفمبر الماضي. التوزيع بين الفئات يكشف أيضا عن فجوات هيكلية، مع استمرار ارتفاع معدل بطالة السود واليافعين مقارنة ببقية الفئات، وهو ما يشير إلى أن التباطؤ في سوق العمل لا يتوزع بالتساوي.

معدلات المشاركة في القوى العاملة ونسبة التوظيف إلى السكان بقيت مستقرة تقريبا، ما يؤكد أن التحسن في البطالة لا يعود إلى دخول أعداد كبيرة جديدة إلى سوق العمل، بل إلى تغيرات هامشية داخل السوق نفسه.

الأجور، عنصر القلق المستمر

في الوقت الذي جاءت فيه الوظائف ضعيفة نسبيا، تحركت الأجور في الاتجاه المعاكس. فقد ارتفع متوسط الأجور في الساعة بنسبة 0.3% على أساس شهري، و3.8% على أساس سنوي، متجاوزا التوقعات. هذه النقطة تحديدا تمثل التحدي الأكبر أمام الفيدرالي، إذ إن تباطؤ التوظيف دون تباطؤ مواز في الأجور يعني أن الضغوط التضخمية الأساسية ما زالت حاضرة.

بعبارة أخرى، سوق العمل يبرد من حيث الكمية، لكنه لا يبرد بعد من حيث السعر.

مؤشرات نوعية تكشف تباطؤا أعمق

تفاصيل التقرير تعزز هذه الصورة المختلطة. عدد العاطلين لفترات طويلة ارتفع بشكل واضح على أساس سنوي، وكذلك عدد العاملين بدوام جزئي لأسباب اقتصادية. هذه المؤشرات غالبا ما تسبق أي ضعف أوسع في سوق العمل، حتى وإن لم يظهر بعد في العناوين الرئيسية.

في المقابل، شهد ديسمبر تحسنا لافتا في تركيبة الوظائف، حيث ارتفعت الوظائف بدوام كامل بنحو 890 ألف وظيفة، في حين انخفض عدد الوظائف بدوام جزئي بنحو 740 ألف وظيفة. كما تراجع عدد العاملين في أكثر من وظيفة بشكل حاد، وهو ما يشير إلى تحسن نسبي في جودة التوظيف، لا في حجمه.

توزيع قطاعي يعكس اقتصاد الخدمات

الوظائف الجديدة تركزت بشكل شبه كامل في قطاعات الخدمات، وعلى رأسها المطاعم، الرعاية الصحية، والخدمات الاجتماعية. في المقابل، فقد قطاع التجزئة وظائف، بينما ظلت بقية القطاعات دون تغير يُذكر، بما في ذلك التصنيع والبناء والخدمات المالية.

هذه التركيبة تؤكد أن الاقتصاد الأمريكي في 2025 كان اقتصاد نمو بطيء يعتمد على الاستهلاك والخدمات، مع غياب شبه كامل لديناميكية توسعية قوية في القطاعات الإنتاجية.

ماذا يعني ذلك للفيدرالي والأسواق؟

الخلاصة أن هذا التقرير لا يجبر الفيدرالي على التحرك الفوري. لا توجد إشارات انهيار تفرض خفضا عاجلا للفائدة، ولا يوجد تسارع في التوظيف يفرض تشديدا جديدا. التركيز سيبقى منصبا على التضخم، لا على الوظائف، وهو ما يجعل بيانات مؤشر أسعار المستهلكين القادمة أكثر أهمية من تقرير الوظائف نفسه.

في هذا السياق، يبقى السيناريو المرجح هو استمرار الفيدرالي في مسار خفض الفائدة التدريجي، مع احتمال خفضين إضافيين هذا العام ما لم تطرأ مفاجآت تضخمية غير متوقعة.

بيانات سوق العمل تؤكد على التوازن

تقرير الوظائف لشهر ديسمبر يقدم صورة اقتصاد يبرد ببطء وبشكل منظم. هذا ليس اقتصادا يدخل في ركود، ولا اقتصادا يستعيد زخمه، بل اقتصاد يعيد التوازن بعد عام من الصدمات والسياسات المتقلبة. بالنسبة للأسواق، هذا السيناريو هو الأفضل حاليا، لأنه يقلل من مخاطر السياسة النقدية ويترك المجال مفتوحا لتحرك الأصول بناء على الأرباح والنتائج التشغيلية أكثر من البيانات الكلية.

بعبارة مختصرة، تقرير لا يغير قواعد اللعبة، لكنه يؤكد أن اللعبة نفسها أصبحت أبطأ وأكثر اعتمادا على التفاصيل لا العناوين.

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.