اقتصاد الثقوب السوداء حيث يتبخر الأثر ويبقى ضجيج الأرقام

تم النشر 12/01/2026, 03:48

لا يمكن فهم مأزق كثير من الاقتصادات بالاكتفاء بمراقبة عجز الموازنة أو تضخم المديونية؛ فالأرقام الصمّاء كثيرًا ما تُخفي حقيقة أشد خطورة هي أن الأزمة ليست في ندرة الموارد، بل في تبخّر أثرها.

إن كفاءة الإنفاق العام لا تُختزل في بند محاسبي يُعنى بضبط الدفاتر، بل تمثل الفلسفة الحاكمة التي تقرر ما إذا كانت الدولة ستغدو ثقبًا يمتص الضرائب والمدخرات بلا ارتداد، أم نظامًا مولِّدًا للقيمة يعيد ضخ هذه الموارد في بنية المجتمع، فيتحول الإنفاق من استهلاك مُهدر إلى طاقة تنموية ترفع جودة الحياة وتعيد تعريف معنى النمو ذاته.

فالخلل الأكبر لا يكمن في حجم ما تنفقه الدولة، بل في طبيعة ما يولّده هذا الإنفاق. فالتاريخ الاقتصادي مليء بأمثلة لاقتصادات أنفقت كثيرًا ولم تتقدم، وأخرى أنفقت أقل لكنها غيّرت مسارها. هنا يجب طرح السؤال الفارق: هل الإنفاق يخلق طاقة إنتاجية، أم يستهلكها؟

الإنفاق الكبير قد يضخ سيولة في السوق، لكنه لا يضمن بالضرورة تحريك عجلة التنمية. فثمة فرق حاسم بين إنفاق يوسّع النشاط الاقتصادي مؤقتًا، وإنفاق يرفع القدرة الإنتاجية الكامنة على المدى الطويل. الأول يُشبه مسكنًا يخفف الألم دون علاج، أما الثاني فهو تدخل يعيد تشكيل الجسد الاقتصادي ذاته.

تجربة اليابان في تسعينيات القرن الماضي مثال صارخ على هذا الخلل. فعلى مدار عقد كامل، أطلقت الحكومة حزم إنفاق ضخمة لمواجهة الركود، شملت مشاريع بنية تحتية واسعة. غير أن كثيرًا من هذه المشاريع افتقر إلى الجدوى الاقتصادية الحقيقية، فتحول الإنفاق إلى ما وصفه بعض الاقتصاديين اليابانيين لاحقًا بأنه دوران مغلق للمال داخل الدولة، حيث تُموَّل المشاريع بالديون، وتنفذها شركات مرتبطة، دون أن تُترجم إلى إنتاجية أعلى أو طلب مستدام. النتيجة لم تكن انتعاشًا، بل اقتصادًا مثقلاً بالديون ونموًا هزيلًا، رغم ضخامة الأرقام.

في المقابل، حين ننظر إلى برامج الصفقة الجديدة في الولايات المتحدة خلال ثلاثينيات القرن الماضي، لا نجد أن نجاحها النسبي كان نابعًا من حجم الإنفاق وحده، بل من توجيهه نحو خلق وظائف حقيقية، وبنية تحتية ذات أثر طويل الأجل، ومؤسسات عززت الثقة والاستقرار. لم يكن كل مشروع ناجحًا، لكن الفلسفة العامة كانت واضحة: الإنفاق يجب أن يترك أثرًا يتجاوز لحظة الصرف.

جون ماينارد كينز نفسه، الذي يُستدعى اسمه كثيرًا لتبرير التوسع المالي، لم يكن يدافع عن الإنفاق لمجرد الإنفاق. كان جوهر فكرته قائمًا على المضاعف الاقتصادي؛ أي أن وحدة الإنفاق الجيدة هي تلك التي تُولد دخلًا إضافيًا، ثم طلبًا إضافيًا، ثم استثمارًا لاحقًا. حين يغيب هذا المضاعف، يتحول الإنفاق إلى عبء، مهما بدا محفزًا على الورق.

وهنا تتجلى المفارقة... قد تنمو الموازنات العامة عامًا بعد عام، بينما يشعر المواطن بتآكل دخله وتراجع جودة الخدمات. هذا التناقض ليس وهمًا إدراكيًا، بل نتيجة مباشرة لإنفاق لا يُقاس بأثره، بل بحجمه. إنفاق يُسجَّل محاسبيًا كنشاط اقتصادي، لكنه لا يترك خلفه اقتصادًا أكثر كفاءة أو مجتمعًا أكثر قدرة على الإنتاج.

بيتر دراكر لخّص هذه الإشكالية بعبارة بليغة حين قال، بمعنى قريب: "لا شيء أقل إنتاجية من القيام بكفاءة عالية بما لا ينبغي القيام به أصلًا." فالدولة قد تُتقن الصرف، وتلتزم بالإجراءات، وتنفذ الميزانيات في مواعيدها، لكنها تظل تهدر الموارد إذا كان اتجاه الإنفاق ذاته خاطئًا.

الإنفاق الفعّال ليس ذاك الذي يرضي مؤشرات النمو قصيرة الأجل، بل الذي يُحسّن بنية الاقتصاد من تعليم يرفع رأس المال البشري، استثمار يخلق سلاسل قيمة، وبنية تحتية تخدم الإنتاج لا "الاستعراض". أما الإنفاق الكبير غير الفعّال، فهو غالبًا إنفاق سياسي الطابع، يشتري الوقت بدل أن يبني المستقبل.

من هنا، يصبح الحديث عن الانضباط المالي بمعناه التقليدي حديثًا ناقصًا، بل مضللًا أحيانًا. فخفض الإنفاق دون إعادة توجيهه قد يُضعف الاقتصاد، تمامًا كما أن توسيعه دون كفاءة قد يخنقه. الفارق الحاسم ليس في الرقم، بل في العائد الاجتماعي والاقتصادي لكل وحدة إنفاق.

وحين تغيب هذه الرؤية، تتحول الدولة تدريجيًا إلى ذلك "الثقب الأسود" الذي لا يعاني من قلة الموارد، بل من غياب الأثر؛ تبتلع الأموال، وتترك خلفها ضجيج أرقام بلا حياة.

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.