عاجل: أوروبا تبدأ العقاب الأمريكي والذهب ينطلق لقمة قياسية مع هبوط الدولار
عاد اتجاه «بيع أمريكا» إلى الواجهة في عام 2026، ومن المرجح أن يظل أحد الملامح الرئيسية للأسواق طوال ما تبقى من العام.
اجتمعت مجموعة من الأحداث أجبرت المتداولين والمستثمرين طويلي الأجل على إعادة النظر في مستوى تعرضهم للأصول الأمريكية. المعادن النفيسة تواصل تسجيل قمم تاريخية، الدولار يتعرض لضغوط مستمرة، وأسواق الأسهم تشهد تقلبات حادة من جلسة إلى أخرى.
هذا التحول في المزاج الاستثماري جاء نتيجة تلاقي عوامل قانونية ونقدية وجيوسياسية وتجارية في وقت واحد، وبطريقة غيّرت بشكل ملموس كيفية تسعير المخاطر. ما كان في السابق مجرد نقاشات هامشية داخل المؤسسات الاستثمارية أصبح اليوم في صميم استراتيجيات المحافظ العالمية.
الأسواق عادة ما ترسل إشارات واضحة عندما تبدأ الثقة في الحوكمة والسياسات والاتجاه الاستراتيجي بالتراجع، وهذه الإشارات باتت واضحة عبر مختلف فئات الأصول.
السبب الأول: الاحتياطي الفيدرالي والضغوط المؤسسية
أحد أبرز المحفزات تمثل في التصعيد القانوني المحيط بالاحتياطي الفيدرالي. فإصدار مذكرات استدعاء تتعلق بشهادة رئيس البنك جيروم باول أمام الكونغرس أدخل السياسة النقدية بشكل مباشر إلى ساحة الجدل السياسي.
بالنسبة للمستثمرين، تُعد استقلالية البنك المركزي حجر الأساس لكل شيء، من توقعات التضخم إلى استقرار العملة. وعندما تتعرض هذه الاستقلالية للاهتزاز العلني، تتغير نظرة الأسواق إلى المخاطر السيادية.
وكان رد الفعل سريعًا؛ ارتفع الطلب بقوة على المعادن الثمينة، وتسارعت تحركات العملات، وازدادت تقلبات أسواق الأسهم.
إعادة تقييم مصداقية السياسة النقدية تؤثر على طريقة تسعير الأصول الأمريكية على امتداد منحنى الاستثمار، من السندات إلى أسهم النمو.
السبب الثاني: فنزويلا وإيران وعودة تسعير المخاطر الجيوسياسية
تزامن الغموض النقدي مع مرحلة جديدة من الحزم الجيوسياسي.
التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا وما تبعه من اعتقال نيكولاس مادورو وتوجيه اتهامات له أعادا تشكيل التوقعات بشأن الاستقرار السياسي في أمريكا اللاتينية.
وفي الوقت ذاته، أضاف تصاعد التوتر حول إيران مستوى جديدًا من عدم اليقين، مع تشديد العقوبات، وتزايد الاضطرابات الداخلية، وارتفاع المخاطر الأمنية حول طرق الشحن الرئيسية، ما أعاد أسواق الطاقة إلى قلب تسعير المخاطر الجيوسياسية.
عندما تُمارَس القوة السيادية بشكل واضح، تعيد الأسواق بسرعة ضبط مستويات التعرض، وهو ما دفع المستثمرين العالميين إلى تقليص مخاطر التركّز وتوسيع نطاق التنويع الجغرافي.
السبب الثالث: غرينلاند وتصاعد التوترات الاستراتيجية
عادت الطموحات الاستراتيجية في القطب الشمالي إلى صدارة المشهد السياسي.
التركيز المتجدد على أهمية غرينلاند زاد من حدة التوترات الدبلوماسية مع الحلفاء الأوروبيين، وأثار تساؤلات حول مستقبل التوافق في مجالات التجارة والدفاع والموارد.
تؤثر الجيوسياسة في الأسواق عندما تمس الثقة في التعاون الدولي، إذ تتجه تدفقات رأس المال عادة نحو البيئات الأكثر وضوحًا واستقرارًا. وحتى حالة عدم اليقين التي تُقدَّم على أنها تخطيط للمستقبل يمكن أن يكون لها تأثير فوري على الأسواق.
السبب الرابع: الغموض في المحكمة العليا بشأن صلاحيات التجارة
أصبح الغموض القانوني عاملًا إضافيًا يدفع المستثمرين إلى إعادة ترتيب محافظهم.
تعامل المحكمة العليا مع الطعون المتعلقة بصلاحيات السلطة التنفيذية في فرض الرسوم الجمركية ترك الشركات والمستثمرين دون رؤية واضحة لمسار السياسة التجارية المستقبلية.
غياب الوضوح القضائي في القضايا المرتبطة بالتجارة العابرة للحدود يعقّد التخطيط المؤسسي، وعندما يبدو الإطار القانوني للرسوم والاتفاقيات التجارية غير مستقر، تميل قرارات الاستثمار إلى التغير.
فالأسواق تقدّر استقرار القوانين بقدر تقديرها لاستقرار السياسات، وعندما يضعف أي منهما، يتجه رأس المال إلى بيئات يُنظر إليها على أنها أكثر متانة.
السبب الخامس: ضعف الأرباح وضغوط التقييمات
جاء موسم الأرباح ليضيف بعدًا جديدًا إلى موجة إعادة التخصيص.
ورغم أن الولايات المتحدة لا تزال محور الأداء المؤسسي العالمي، فإن نتائج بعض القطاعات الرئيسية، وعلى رأسها البنوك، جاءت دون التوقعات مقارنة بنظرائها في الأسواق الدولية.
في المقابل، يتحسن زخم النمو في أجزاء من أوروبا وآسيا عند تقييمات تبدو أكثر جاذبية للمستثمرين العالميين.
وتُظهر البيانات أن المؤشرات الأمريكية تواجه صعوبة في الحفاظ على زخم صعودي واضح، مع تزايد تمركز المستثمرين تحسبًا لإشارات أرباح أضعف.
وقد عادت العلاقة بين الأرباح وتدفقات رأس المال لتؤكد دورها كمحرك أساسي لتحركات الأسعار.
هذه العوامل مجتمعة، لم تعد قضايا هامشية في تفكير الأسواق.
ارتفاع المعادن النفيسة إلى مستويات قياسية وضعف الدولار يعكسان إعادة تسعير أوسع للمخاطر، بينما باتت الأسهم تتداول بشكل متزايد في ضوء استقرار السياسات ووضوح الإطار القانوني والموقف الجيوسياسي، وليس النمو الاقتصادي وحده.
الأسواق لا تتخلى عن الاقتصاد الأمريكي، لكنها تمر بمرحلة تعديل محسوبة.
مديرو المحافظ يوازنون بين الأسس القوية للاقتصاد الأمريكي وبين مجموعة مخاطر جديدة وأكثر ارتفاعًا تتعلق باستقلالية السياسة النقدية والبنية القانونية والطموحات الاستراتيجية.
وسيشكل تسعير هذا التوازن ملامح تخصيص رأس المال العالمي خلال ما تبقى من عام 2026.
وقد ينظر مؤرخو الأسواق مستقبلًا إلى هذه المرحلة باعتبارها اللحظة التي تراجع فيها التركّز لصالح التنويع، وعادت فيها الثقة بالمؤسسات لتلعب دورها المحوري كمرتكز للاستثمار طويل الأجل.
