إدارة ترامب تدرس فرض حظر نفطي شامل على كوبا
لم تكن قفزات الذهب خلال 2025 وبدايات 2026 موجةً مضاربية عابرة، بل انعكاسًا لتحوّلٍ هيكلي عميق في سلوك رأس المال العالمي. نحن أمام إعادة تسعير لدور الملاذ الآمن في نظامٍ مالي يتغيّر، حيث تلاقت مشتريات البنوك المركزية القياسية مع طلبٍ متزايد من القطاع الخاص، في بيئة تتسم بتضخمٍ عنيد، وتفتّتٍ جيوسياسي، وتراجعٍ تدريجي في اليقين النقدي.
ومع اقتراب الأسعار – حتى 22 يناير 2026 – من العتبة النفسية 5,000 دولار للأونصة، رفعت مؤسسات مالية كبرى أهدافها تباعًا، بينما أعاد المستثمرون العالميون رسم خرائط التخصيص الدفاعي لحماية القوة الشرائية في عالمٍ أكثر تقلبًا وأقل قابلية للتنبؤ.
على الضفة الأخرى، استعادت الفضة دورها التاريخي، لا كظلٍّ للذهب، بل كأصلٍ استراتيجي يقف عند تقاطع “القيمة” و”الصناعة”. هذه المرة، السردية مستقلة: كهربة الاقتصاد العالمي، والتحول الطاقي، وسلاسل التوريد الجديدة.
المشهد الراهن: قمم تاريخية على خلفية اقتصادٍ متوتر لا يهدأ
سجّل الذهب خلال يناير 2026 قممًا تاريخية متتالية، متحركًا في نطاقات سعرية غير مسبوقة، مدفوعًا بزخمٍ فني قوي وطلبٍ ممتد يتجاوز التداولات قصيرة الأجل. في المقابل، واصلت الفضة مسارها الصاعد الحاد، أحيانًا بمحاكاة الذهب، وأحيانًا بتفوّق واضح مدعوم بالطلب الصناعي.
في الخلفية، بقي تضخم PCE – المقياس المفضل للاحتياطي الفيدرالي – فوق المستهدف، في قراءة يمكن وصفها بأنها:
“ليست ساخنة بما يكفي لكبح الذهب، ولا باردة بما يكفي لكسر اتجاهه.”
أما الدولار الأمريكي، فدخل 2026 بقوة نسبية قبل أن يتذبذب حول مستوى 100 نقطة على مؤشره، في انعكاس مباشر لتذبذب توقعات الفائدة والنمو.
هذه المعادلة – تضخم أعلى من الهدف، نمو مرن، وسياسة نقدية أقل يقينًا – تفسر لماذا ظل الذهب قريبًا من قممه حتى خلال فترات هدوء العناوين الجيوسياسية مؤقتًا.
محركات الصعود: ثلاث قوى تحرّك الجبل
1) مشتريات البنوك المركزية: استراتيجية لا تكتيك
وفقًا لمجلس الذهب العالمي، تجاوزت مشتريات البنوك المركزية 1,000 طن سنويًا للعام الثالث على التوالي، وهو مستوى تاريخي.
الدوافع واضحة : تنويع الاحتياطيات بعيدًا عن العملات الورقية - تقليص التعرض لمخاطر النظام المالي الدولي - التحوّط من العقوبات والقيود العابرة للحدود
صندوق النقد الدولي وبنك التسويات الدولية (BIS) يؤكدان في أبحاث حديثة أن الذهب عاد ليؤدي دور “أصل سيادي محايد” خارج مخاطر الطرف المقابل.
2) الجغرافيا السياسية: عندما تصنع الذروة ذروة الملاذ
تُظهر الدراسات الكمية أن الذهب يتفاعل بقوة مع مؤشرات المخاطر الجيوسياسية، خصوصًا في لحظات الذروة. ساعات الأخبار الثقيلة – من النزاعات إلى التوترات التجارية – غالبًا ما تتحول إلى وقودٍ لموجات صعود حادة.
تحليل السلاسل الزمنية يثبت أن العلاقة ليست نفسية فقط، بل إحصائية، حيث ترتفع التدفقات إلى الذهب بالتوازي مع ارتفاع مؤشرات عدم اليقين العالمي.
3) الفائدة الحقيقية والدولار: رياح خلفية وليست السفينة
توقعات السوق لتخفيضات محدودة للفائدة خلال 2026، مع سيناريو دولار متذبذب بين ضعفٍ نسبي وتعافٍ مرحلي، تمنح الذهب أفضلية تكتيكية.
حتى في لحظات المفاجآت النقدية، أثبت المعدن قدرته على الصمود فوق دعومه الرئيسية بفضل الطلب البنيوي طويل الأجل.
الفضة: من معدن ثمين إلى أصل استراتيجي
قوة الفضة اليوم لا تأتي من تقليد الذهب، بل من تحولٍ هيكلي واسع.
بحسب بيانات 2025، بلغ الطلب على الفضة مستوى قياسيًا، مدفوعًا بالطاقة الشمسية، السيارات الكهربائية، أشباه الموصلات، وتقنيات التخزين.
الفضة أصبحت جزءًا من البنية التحتية للاقتصاد الجديد، لا مجرد مخزن قيمة.
نسبة الذهب إلى الفضة: البوصلة التاريخية للأداء النسبي
تراوح النطاق التاريخي الحديث لنسبة الذهب/الفضة بين 50:1 و80:1.
في الدورات الصاعدة الكبرى، أي هبوط مستدام في هذه النسبة كان غالبًا مقدمة لتفوّق سعري واضح للفضة.
البيانات الممتدة منذ بداية القرن الماضي تشير إلى أن النسبة لا تزال أعلى من “قيعان التفوق” التقليدية، ما يترك المجال مفتوحًا لمراحل Outperformance إضافية إذا استمرت المحركات الأساسية.
التوقعات المؤسسية: من 5,000 إلى 5,400… ثم ماذا؟
رفعت Goldman Sachs هدفها لنهاية 2026 إلى 5,400 دولار، مستندةً إلى:
استمرار مشتريات البنوك المركزية
- بقاء المستثمرين الخواص في مراكزهم التحوطية
- توقع تدفقات إيجابية إلى ETFs الغربية
في مؤتمر LBMA – أكتوبر 2025، بلغ متوسط توقعات المشاركين قرابة 4,980 دولارًا خلال 12 شهرًا، ما يعكس تحولًا واضحًا في المزاج المهني من التشكيك إلى الإقرار بزخم دورة صاعدة طويلة.
أما مجلس الذهب العالمي، ففي “نظرة 2026”، قدّم سيناريوهات تمتد من تذبذب محدود إلى صعود ثنائي الرقم في حال تفاقم اختلالات الماكرو، مؤكّدًا أن الاتجاه الهيكلي صاعد وإن مرّ باستراحات دورية.
الفني يتكلم: تشبّع نادر… ومتى نشتري الذبذبة؟
بلغ RSI الشهري في 2025 مستويات تُعد من الأعلى منذ عقود، بينما اقتربت الأطر اليومية والأسبوعية من التشبّع عدة مرات مطلع 2026.
تاريخيًا، هذه الإشارات تسبق توطيدًا أو تصحيحًا صحيًا قبل الموجة التالية.
القاعدة الذهبية:
لا مطاردة للقمم
الشراء عند عودة الزخم إلى مناطق 60–70
مراقبة متوسطات 50–100 يوم كمرجع للاتجاه
وبما أن الفضة أعلى “بيتا”، فإن إدارة المخاطر فيها أكثر حساسية.
مخاطر يجب مراقبتها: ما الذي قد يكسر الإيقاع؟
انفراج جيوسياسي مفاجئ أو تسوية تجارية شاملة
تضخم أعلى من المتوقع يُبقي الفائدة الحقيقية مرتفعة أطول
عوامل داخلية: زيادات هوامش العقود الآجلة أو عرض مادي مفاجئ
كلها مخاطر تكتيكية لا تنفي الاتجاه، لكنها تتطلب يقظة تشغيلية.
كيف نركب الموجة بلا أن نغرق؟
تخصيص استراتيجي: ذهب 5–10% من المحافظ متعددة الأصول
فضة بميزان واقعي: 2–5% موزعة بين معدن/ETF ومنتجين منخفضي التكلفة
انضباط فني: وقف خسارة أسفل آخر قاع متصاعد، وجني أرباح جزئي عند القفزات الرأسية
ذهبٌ للزمن… وفضةٌ للمستقبل
الذهب هو لغة الخوف العاقل حين تختلط الإشارات، والفضة هي لغة الطموح التقني حين يُعاد بناء العالم بالكهرباء والسيليكون.
هذه الدورة ليست صرخة لحظة، بل نتيجة قصة أطول:
دول تعيد صياغة احتياطياتها
مستثمرون يبحثون عن أمان لا يمنحه النقد
ونظام عالمي يدخل عقدًا تُقاس فيه القوة بقدرة التحوّط… والابتكار معًا
والحكمة ليست في إنكار الموجة، بل في تنظيم ركوبها
