اقتصاد "السموم البيضاء"

تم النشر 26/01/2026, 11:45

في أروقة كليات الاقتصاد، يدرس الطلاب أن انخفاض الأسعار هو "المغناطيس" الطبيعي لجذب الطلب. لكن عندما يتوقف هذا المغناطيس عن العمل، ويبقى المستهلك متفرجاً رغم تراجع الأسعار، فإننا لا نتحدث هنا عن ركود عابر، بل عن "مؤشر رعب" ينبئ بانهيار الهيكل التحفيزي للاقتصاد بالكامل. إنها اللحظة التي يفقد فيها الاقتصاد "أعصابه الحسية"، فلا يستجيب لأي إشارة تصحيحية.

فخ "النمو المنفوخ" بالديون والتضخم

يعيش هذا النوع من الاقتصادات حالة من الخداع البصري الرقمي. فبينما تتباهى التقارير الرسمية بارتفاع إجمالي الناتج المحلي (GDP)، نجد أن هذا النمو ليس نتاجاً لزيادة الإنتاجية أو الابتكار، بل هو نتاج تعاطي ما يمكن تسميته بـ "السموم البيضاء" اقتصادياً: الدين العام والتضخم.

تماماً كما يفعل السكر والملح في جسد الإنسان عند تجاوز الحدود، فإن الديون تمنح الاقتصاد طاقة وهمية وتورماً في أرقام الإنفاق دون خلق أصول تدر دخلاً، بينما يقوم التضخم بـ "تسميع" قيم سعرية مرتفعة ترفع رقم الناتج المحلي اسمياً، في حين أن القيمة الحقيقية والمادية للاقتصاد في تآكل مستمر. وكما قال صاحب النظرية النقدية ميلتون فريدمان: "التضخم هو الشكل الوحيد من الضرائب الذي يمكن فرضه دون تشريع".

تأتي الطامة الكبرى عند محاولة علاج عجز الموازنة.... في الاقتصاد الإنتاجي، يمثل تقليص العجز خطوة جراحية ضرورية لاستعادة التوازن. أما في "الاقتصاد المهشم"، فإن تخفيض العجز يرسل إشارات انكماشية مرعبة.

فالدولة هنا هي المحرك شبه الوحيد للسيولة، وأي تراجع في إنفاقها - حتى لو كان إنفاقاً غير منتج - يؤدي إلى انهيار فوري في الناتج المحلي الإجمالي، دون أي أمل في أن يعوض القطاع الخاص هذا الفراغ، أو أن تعوض الزيادة في الكمية الانخفاض في القيمة الأسمية.

تقترح النظرية النقدية الكلاسيكية عادةً دفع الاستثمار عبر خفض الضرائب بالتوازي مع رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم. لكن هذه الوصفة تصطدم بواقع "الجمود" الذي أشرنا إليه؛ فالمستثمر لن يضخ قرشاً واحداً في سوق يعاني من "شلل الطلب"، حتى لو كانت الضرائب صفراً.

وكما حذر صاحب النظرية الكينزية جون ماينارد كينز في نظريته عن "فخ السيولة": "يمكنك أن تقود الحصان إلى الماء، لكنك لا تستطيع إجباره على الشرب".

نحن هنا أمام النسخة الأكثر تشوهاً من الركود التضخمي (Stagflation). فالتضخم مرتفع بسبب تكاليف الإنتاج والديون، والركود ضارب بجذوره بسبب انهيار القوة الشرائية.إن محاولة علاج أحدهما تؤدي بالضرورة إلى تفاقم الآخر في حلقة مفرغة.

إن التشخيص النهائي لهذا الوضع يشير إلى اقتصاد لم يعد بحاجة إلى "مسكنات نقدية" أو "تعديلات مالية" طفيفة، بل يحتاج إلى "إعادة هيكلة وجودية" تبدأ من وقف تعاطي السموم البيضاء والاعتراف بأن الأرقام المتضخمة ليست دائماً دليلاً على الصحة، بل قد تكون أحياناً دليلاً على اقتراب الانفجار.

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.