عاجل: خسائر جماعية للأسهم الأمريكية عند الإغلاق
في أروقة كليات الاقتصاد، يدرس الطلاب أن انخفاض الأسعار هو "المغناطيس" الطبيعي لجذب الطلب. لكن عندما يتوقف هذا المغناطيس عن العمل، ويبقى المستهلك متفرجاً رغم تراجع الأسعار، فإننا لا نتحدث هنا عن ركود عابر، بل عن "مؤشر رعب" ينبئ بانهيار الهيكل التحفيزي للاقتصاد بالكامل. إنها اللحظة التي يفقد فيها الاقتصاد "أعصابه الحسية"، فلا يستجيب لأي إشارة تصحيحية.
فخ "النمو المنفوخ" بالديون والتضخم
يعيش هذا النوع من الاقتصادات حالة من الخداع البصري الرقمي. فبينما تتباهى التقارير الرسمية بارتفاع إجمالي الناتج المحلي (GDP)، نجد أن هذا النمو ليس نتاجاً لزيادة الإنتاجية أو الابتكار، بل هو نتاج تعاطي ما يمكن تسميته بـ "السموم البيضاء" اقتصادياً: الدين العام والتضخم.
تماماً كما يفعل السكر والملح في جسد الإنسان عند تجاوز الحدود، فإن الديون تمنح الاقتصاد طاقة وهمية وتورماً في أرقام الإنفاق دون خلق أصول تدر دخلاً، بينما يقوم التضخم بـ "تسميع" قيم سعرية مرتفعة ترفع رقم الناتج المحلي اسمياً، في حين أن القيمة الحقيقية والمادية للاقتصاد في تآكل مستمر. وكما قال صاحب النظرية النقدية ميلتون فريدمان: "التضخم هو الشكل الوحيد من الضرائب الذي يمكن فرضه دون تشريع".
تأتي الطامة الكبرى عند محاولة علاج عجز الموازنة.... في الاقتصاد الإنتاجي، يمثل تقليص العجز خطوة جراحية ضرورية لاستعادة التوازن. أما في "الاقتصاد المهشم"، فإن تخفيض العجز يرسل إشارات انكماشية مرعبة.
فالدولة هنا هي المحرك شبه الوحيد للسيولة، وأي تراجع في إنفاقها - حتى لو كان إنفاقاً غير منتج - يؤدي إلى انهيار فوري في الناتج المحلي الإجمالي، دون أي أمل في أن يعوض القطاع الخاص هذا الفراغ، أو أن تعوض الزيادة في الكمية الانخفاض في القيمة الأسمية.
تقترح النظرية النقدية الكلاسيكية عادةً دفع الاستثمار عبر خفض الضرائب بالتوازي مع رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم. لكن هذه الوصفة تصطدم بواقع "الجمود" الذي أشرنا إليه؛ فالمستثمر لن يضخ قرشاً واحداً في سوق يعاني من "شلل الطلب"، حتى لو كانت الضرائب صفراً.
وكما حذر صاحب النظرية الكينزية جون ماينارد كينز في نظريته عن "فخ السيولة": "يمكنك أن تقود الحصان إلى الماء، لكنك لا تستطيع إجباره على الشرب".
نحن هنا أمام النسخة الأكثر تشوهاً من الركود التضخمي (Stagflation). فالتضخم مرتفع بسبب تكاليف الإنتاج والديون، والركود ضارب بجذوره بسبب انهيار القوة الشرائية.إن محاولة علاج أحدهما تؤدي بالضرورة إلى تفاقم الآخر في حلقة مفرغة.
إن التشخيص النهائي لهذا الوضع يشير إلى اقتصاد لم يعد بحاجة إلى "مسكنات نقدية" أو "تعديلات مالية" طفيفة، بل يحتاج إلى "إعادة هيكلة وجودية" تبدأ من وقف تعاطي السموم البيضاء والاعتراف بأن الأرقام المتضخمة ليست دائماً دليلاً على الصحة، بل قد تكون أحياناً دليلاً على اقتراب الانفجار.
