فخ الموت في سوق الفضة.. كيف ابتلعت الموجة الأخيرة مدخرات المتداولين؟
هل نحن قريبون من خطر؟ قراءة في تموضع المستثمرين بين الشركات الكبرى والديون الخطِرة
الأسواق لا تعطي اليوم إشارات انهيار، لكنها أيضًا لا تتصرّف كأن الخطر بعيد.
ما نراه هو حذر منظّم: السيولة لا تهرب من النظام المالي، لكنها تغيّر وجهتها؛ تتجه نحو الشركات الكبرى والقطاعات الدفاعية، وتبتعد عن الشركات الصغيرة والديون عالية المخاطر.
هذا السلوك لا يعني أن أزمة وشيكة على الأبواب، لكنه يكشف بوضوح أن المستثمرين لا يثقون بالمرحلة القادمة، ويفضّلون التمركز في أقل المناطق هشاشة إلى أن تتضح صورة الفائدة وتكلفة التمويل.
لفهم ما إذا كنا نقترب من خطر حقيقي أم لا، لا يكفي النظر إلى مستويات المؤشرات أو حركة الأسعار، بل يجب تتبّع حركة السيولة داخل السوق: من يستقبلها، ومن يُحرم منها، وأي الأصول تُستبعد أولًا في فترات عدم اليقين.
أولًا: السلع الاستهلاكية… ملاذ السيولة داخل الأسهم
التدفقات الواضحة نحو Consumer Staples Select Sector SPDR Fund (XLP) تعكس سلوكًا دفاعيًا منظمًا داخل سوق الأسهم، لا خروجًا منها.
السلع الاستهلاكية الأساسية تتميز بـ:
- - طلب مستقر غير دوري
- - قدرة نسبية على تمرير التكاليف
- - تدفقات نقدية منتظمة
- - توزيعات أرباح يمكن الاعتماد عليها
ارتفاع السيولة في هذا القطاع لا يعني تفاؤلًا اقتصاديًا، بل يشير إلى أن المستثمرين يفضّلون البقاء في السوق بأقل درجة ممكنة من الحساسية للفائدة والتباطؤ.
ثانيًا: الشركات الكبرى… تفضيل الميزانيات القوية
بالتوازي مع أداء السلع الاستهلاكية، يلاحظ تماسك واضح في أسهم الشركات الكبرى ذات:
- - المديونية المنخفضة
- - القدرة على تمويل ذاتي
- - الحضور العالمي
- - التسعير القوي
هذا السلوك يعكس حقيقة مهمة:
في بيئة ترتفع فيها تكلفة رأس المال، تُكافأ القوة المالية لا الطموح التوسّعي.
السيولة لا تبحث عن فرص عالية المخاطر، بل عن شركات قادرة على الصمود دون الحاجة لتمويل رخيص أو أسواق ائتمان سهلة.
ثالثًا: رسالة راسل 2000… حيث تظهر الحقيقة
على الطرف الآخر، يقدّم Russell 2000 Index واحدة من أوضح إشارات السوق.
ضعف أداء الشركات الصغيرة والمتوسطة لا يُعد تفصيلًا ثانويًا، بل هو:
- - دليل على انكماش الشهية للمخاطرة
- - مؤشر على شح التمويل
- - انعكاس مباشر لارتفاع كلفة الاقتراض
تاريخيًا، لا يمكن الحديث عن توسّع سيولة أو مرحلة Risk-On حقيقية دون مشاركة قوية من هذا المؤشر. غيابه عن القيادة يعني أن الصعود الحالي انتقائي ومحدود.
رابعًا: الديون الخطِرة… إنذار مبكر لا يُتجاهل
أحد أهم المؤشرات التي تستحق المراقبة هو سلوك سوق الديون عالية المخاطر، أي تراجع في هذا القطاع يعكس:
- ارتفاع الحساسية للمخاطر الائتمانية
- تشدد شروط التمويل
- قلقًا من قدرة الشركات المثقلة بالديون على خدمة التزاماتها
سوق الديون الخطِرة لا ينهار فجأة، لكنه غالبًا يتحرك قبل الأسهم، ولذلك فإن ضعفه أو تذبذبه يُعد إشارة مبكرة على أن النظام المالي يعمل تحت ضغط، حتى وإن بدت مؤشرات الأسهم مستقرة ظاهريًا.
خامسًا: ما الذي لا نراه؟
رغم كل هذه الإشارات:
- -لا يوجد ذعر شامل
- -لا انهيار في السيولة
- -لا هروب جماعي من الأسهم
وهذا بحد ذاته مهم. ما نراه هو فرز دقيق:
- - سيولة تدخل قطاعات دفاعية
- - سيولة تتجنب النمو الهش
- - سيولة تُعيد ترتيب المخاطر بدل الخروج من السوق
من وجهة نظري:
الأسواق لا تعيش حالة تفاؤل، ولا حالة هلع.
إنها تعيش مرحلة إعادة ترتيب داخلية تحكمها أربعة عناوين رئيسية:
- - تفضيل الاستقرار على النمو
- - مكافأة الميزانيات القوية
- -الحذر من المخاطر الائتمانية
- -تقليص الانكشاف على الأصول عالية المخاطر بعد فترات تسعير متضخم
الرسالة الأساسية التي تبعثها حركة السيولة اليوم هي:
البقاء داخل السوق… لكن بشروط أكثر صرامة.
فراس حاج حسن
مستشار قرارات استثمارية
عضو CISI (المعهد البريطاني للأوراق المالية والاستثمار)
