الذهب: الزخم الصاعد يصطدم بالمقاومة.. فهل الوقت الحالي مناسب للشراء أم البيع؟
منذ سنوات طويلة، وفي كل مرة يمر فيها العالم بأزمة اقتصادية أو توتر سياسي، يظهر من يتوقع أو حتى يتمنى سقوط دبي اقتصاديا، وكأن هذه المدينة أصبحت اختبارا دائما لخيالات المتشائمين. تتكرر التوقعات نفسها مع كل حدث عالمي, قيل ذلك بعد الأزمة المالية العالمية، وقيل أثناء جائحة كوفيد، وقيل مع كل توتر جيوسياسي في المنطقة. لكن الواقع أثبت مرارا أن دبي ليست مجرد سوق عابر يتأثر بالأحداث اليومية، بل اقتصاد مرن بُني بفضل الله على رؤية طويلة المدى، وبنية تحتية عالمية، ونظام قانوني واقتصادي قادر على استيعاب الصدمات.
ولهذا فإن من ينتظر سقوط دبي يكتشف في كل مرة أن المدينة لا تكتفي بتجاوز الأزمات، بل تخرج منها أكثر قوة وحضورا على خريطة الاقتصاد العالمي. لكن قراءة اقتصادية هادئة للتاريخ القريب والبعيد تظهر أن هذه الصورة مبالغ فيها إلى حد كبير، وأن ما يحدث عادة في مثل هذه الظروف ليس انهيارا، بل تباطؤ مؤقت في النشاط، سرعان ما يعقبه تعاف وربما مرحلة نمو جديدة.
تاريخيا، تتأثر الأسواق العقارية بالتوترات الجيوسياسية عبر عدة قنوات رئيسية. أولها عدم الاستقرار الاقتصادي والمالي، حيث قد تشهد بعض الدول انهيار عملاتها أو ارتفاع معدلات التضخم أو تجمدا في السيولة. في مثل هذه الحالات يفضل المستثمرون التريث مؤقتا حتى تتضح الصورة. هذا التريث ينعكس أحيانا على عدد الصفقات وليس بالضرورة على القيمة الحقيقية للأصول.
السبب الثاني يتعلق بالأضرار المادية المباشرة في الدول التي تشهد نزاعات، حيث قد تتعرض المباني أو البنية التحتية للتدمير. هذا العامل يؤثر بشكل مباشر على قيمة الأصول في مناطق الصراع نفسها، لكنه في الوقت ذاته يدفع رؤوس الأموال للبحث عن ملاذات أكثر استقرارا.
وهنا تظهر مفارقة مهمة في الاقتصاد العالمي, الأزمات التي تضرب بعض المناطق غالبا ما تعزز جاذبية مناطق أخرى مستقرة. ودبي خلال العقدين الماضيين كانت من أبرز هذه الوجهات.التاريخ الحديث يقدم أمثلة واضحة. بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008 مر سوق دبي العقاري بمرحلة تصحيح قوية، لكن السنوات اللاحقة شهدت إعادة هيكلة وتنظيم أفضل للسوق، ما مهد لدورات نمو لاحقة. وفي عام 2020 خلال جائحة كوفيد توقفت الأسواق العالمية تقريبا لفترة قصيرة، ثم عاد النشاط في دبي بقوة مدفوعا بالإصلاحات الاقتصادية وسياسات الإقامة طويلة الأمد. وفي عام 2022، ومع اندلاع الحرب في أوكرانيا، شهدت دبي تدفقات رأسمالية كبيرة من مستثمرين يبحثون عن بيئة آمنة ومستقرة.
هناك أيضا عوامل هيكلية تجعل سوق دبي مختلفا عن كثير من الأسواق الأخرى. من أهمها الاستقرار السياسي والأمني، ووضوح الإطار القانوني لحماية الملكية، إضافة إلى البنية التحتية المتقدمة والانفتاح الاقتصادي. كما أن سياسات مثل التأشيرة الذهبية والإقامة للمستثمرين عززت تحول العديد من المستثمرين من مجرد مشترين إلى مقيمين دائمين.
إلى جانب ذلك، أصبحت دبي مركزا عالميا للأعمال والتجارة والسياحة، ما يخلق طلبا حقيقيا ومستداما على العقار سواء للسكن أو للاستثمار. هذا الطلب لا يعتمد فقط على المضاربة المالية، بل يرتبط بالنمو السكاني وتوسع الأنشطة الاقتصادية.
لذلك من المهم التمييز بين التذبذب الطبيعي في النشاط العقاري وبين فكرة “الانهيار”. الأسواق المالية والعقارية بطبيعتها تمر بدورات من الصعود والتباطؤ، لكن الأساسيات الاقتصادية هي التي تحدد الاتجاه على المدى الطويل.
أما النصيحة للمستثمرين أو الراغبين في البيع أو الشراء، فهي الابتعاد عن القرارات العاطفية التي تصنعها العناوين الإعلامية السريعة. المستثمر الذكي ينظر إلى البيانات طويلة المدى، وإلى أساسيات السوق، وليس فقط إلى الضجيج المؤقت.
من يملك عقارا في دبي يجب أن يتذكر أن السوق مر بأزمات عالمية كبرى وخرج منها أكثر قوة وتنظيما. ومن يفكر في الشراء، فغالبا ما تكون فترات التردد في السوق فرصة للتفاوض الأفضل والدخول بأسعار مناسبة.
في النهاية، التوترات قد تبطئ الصفقات لفترة قصيرة بينما يقيم المستثمرون المشهد، لكنها تاريخيا لم تغير أساسيات سوق دبي العقاري. وعلى العكس، كثيرا ما كانت هذه اللحظات بداية مرحلة جديدة من النمو.
