الذهب يعود إلى المكاسب بفعل هدنة لبنان.. فهل يستعيد مستوى 5,000 دولار؟
السوق يرتكب خطأً فادحاً.
يبدو أن عدداً متزايداً من المستثمرين مقتنعون بأن أسعار النفط ستعود في نهاية المطاف إلى مستوياتها ما قبل الحرب، بمجرد أن تهدأ التوترات في منطقة الشرق الأوسط. غير أن هذا الرهان في نظري يسير في الاتجاه الخاطئ.
حتى لو خفتت حدة المعارك، فإن سوق النفط قد تغيّر جوهرياً.
كان خام برنت يتداول حول 93.00 دولار للبرميل قبيل آخر تصعيد عسكري إسرائيلي في لبنان. وفي وقت سابق من الأزمة، قفز فوق 112.00 دولار حين بدأ المتداولون في تسعير مخاطر اضطراب الإمدادات. ومع ذلك، ورغم أشهر من عدم الاستقرار، لا يزال كثير من المستثمرين يتعاملون مع ارتفاع أسعار النفط باعتباره مجرد صدمة جيوسياسية مؤقتة.
وهذا خطأ ينبغي تجنبه.
إن مرحلة النفط الرخيص باتت تزداد صعوبةً في تبريرها.
تعمل أسواق الطاقة العالمية بطاقة احتياطية أقل بكثير مما يودّ المستثمرون. ويظل الطلب قريباً من مستويات قياسية تتجاوز 103 ملايين برميل يومياً. وفي الوقت ذاته، لا يزال خُمس إمدادات النفط العالمية يمر عبر مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات الملاحية هشاشةً من الناحية الاستراتيجية على وجه الأرض.
إن سوقاً تعاني من ضيق في العرض وقوة في الطلب وتصاعد في المخاطر الجيوسياسية، لن تعود فجأة إلى وضعها الاعتيادي.
ما يعجز المستثمرون عن إدراكه هو أن النفط لم يعد يتداول وفق منطق العرض والطلب وحده، بل بات يتداول وفق منطق الأمن.
لقد أصبح أمن الطاقة واحداً من أثمن السلع في العالم.
الحكومات تدرك ذلك. وشركات الطاقة تدرك ذلك. والمخططون العسكريون يدركون ذلك.
أما الأسواق، فهي لا تزال في بداية مرحلة الاستيعاب.
لسنوات طويلة، استفاد المستثمرون من بيئة استثنائية تجمعت فيها وفرة الطاقة وانخفاض التضخم وتكاليف الاقتراض المتدنية للغاية. ولا تزال كثير من المحافظ الاستثمارية مهيأة كما لو أن تلك الظروف لا تزال قائمة.
لكنها لم تعد كذلك.
ترتفع أسعار النفط لتنعكس مباشرةً على التضخم. فكل ارتفاع مستدام في أسعار الخام يشق طريقه في نهاية المطاف إلى قطاعات النقل والتصنيع والخدمات اللوجستية وإنتاج الغذاء وأسعار المستهلكين. وقد تتحول معركة التضخم التي كانت البنوك المركزية تعتقد أنها تقترب من الانتصار فيها، إلى معركة أشد تعقيداً إن ظلت أسعار الطاقة مرتفعة.
تواصل الأسواق تسعير مستقبل يتسم بسياسة نقدية أكثر مرونة. والنفط يهدد هذه الرواية.
إن ظل التضخم المدفوع بالطاقة متشبثاً بمستوياته، فقد يجد صانعو السياسات أنفسهم أمام هامش أضيق لخفض أسعار الفائدة مما يتوقعه المستثمرون حالياً. وعندها ستضطر أسواق السندات إلى إعادة تسعير نفسها. كما قد تواجه أسهم النمو التي ارتفعت على وقع توقعات انخفاض تكاليف الاقتراض ضغوطاً متجددة.
يرتكز قدر كبير من التفاؤل السائد في الأسواق اليوم على افتراض أن التضخم سيواصل تراجعه بسلاسة وثبات.
والنفط هو أكبر تهديد لهذا الافتراض.
يقدم التاريخ درساً واضحاً: نادراً ما تبقى موجات الارتفاع المستدامة في أسعار النفط حبيسة أسواق الطاقة. فهي تتموج عبر المنظومة المالية بأسرها، وتعيد تشكيل توقعات التضخم، وتؤثر في أسواق العملات، وتنعكس على الإنفاق الاستهلاكي وربحية الشركات.
المستثمرون الذين ينظرون إلى النفط باعتباره قصة سلعية ضيقة النطاق يفوّتون الصورة الأكبر.
لقد غدت الطاقة واحدة من أبرز القوى الاقتصادية الكلية التي تشكّل مسار الأسواق العالمية.
سيكون هناك رابحون.
يقف منتجو الطاقة على أعتاب تدفقات نقدية ضخمة إن بقيت أسعار الخام مرتفعة. وقد تنعم الاقتصادات المصدِّرة للسلع الأولية بمالية عامة أكثر متانة وأرصدة تجارية أكثر صحة. كما قد تواصل الأسهم المرتبطة بالطاقة تفوقها على القطاعات التي تعتمد اعتماداً كبيراً على انخفاض تكاليف الوقود.
وسيكون هناك خاسرون أيضاً.
تواجه شركات الطيران وقطاعات النقل والتصنيع وكثير من الشركات الموجهة نحو المستهلك بيئة أشد قسوة. والأسر التي ترتفع نفقاتها على الوقود والمرافق تجد في جيوبها مالاً أقل للإنفاق التقديري. أما الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد، فقد ترى التضخم يرتفع في الوقت الذي يتباطأ فيه النمو.
ومن المرجح أن تتسع الهوة بين الرابحين والخاسرين إن ظل النفط مرتفعاً بصورة هيكلية.
لا يزال كثير من المستثمرين ينتظرون عودة النفط إلى مستوياته قبل اندلاع هذا الصراع.
أعتقد أنهم ينتظرون عالماً لم يعد موجوداً.
لم يعد السؤال المحوري للمستثمرين هو ما إذا كان النفط سيعود إلى مستويات ما قبل الحرب.
السؤال المحوري هو: ماذا سيحدث للمحافظ الاستثمارية إن لم يفعل؟
كثير جداً من المستثمرين لا يزالون مهيئين لسوق طاقة الأمس.
أما المخاطر والفرص، فهي ملك لسوق الغد.
