بنك باركليز يحذر من صعود أسعار النفط إلى 150 دولارًا للبرميل
يتداول الذهب (XAU/USD) قرب مستوى 3996 دولارًا للأونصة خال الفترة الآسيوية اليوم، في مرحلة تبدو للوهلة الأولى تصحيحًا سعريًا، لكنها من وجهة نظري تحمل في طياتها تحولات استراتيجية أعمق قد تعيد رسم خريطة سوق الذهب العالمي خلال الأشهر المقبلة. فالاهتمام لا ينبغي أن يقتصر على حركة السعر اليومية أو تأثير بيانات التضخم الأمريكية، بل يجب أن يمتد إلى السؤال الأهم: من يقود السوق اليوم؟ وهل ما زالت وول ستريت صاحبة الكلمة الأخيرة، أم أن آسيا أصبحت المحرك الحقيقي للاتجاه طويل الأجل؟
وبرأيي، ما نشهده اليوم ليس مجرد اختلاف في سلوك المستثمرين بين الشرق والغرب، بل هو انتقال تدريجي لمركز الثقل في سوق الذهب. فبينما تتزايد عمليات البيع وجني الأرباح خلال جلسات التداول الأمريكية، تظهر الأسواق الآسيوية باعتبارها المشتري الأكثر ثباتًا، حيث تستغل كل موجة هبوط لبناء مراكز جديدة. هذه الظاهرة لم تعد مؤقتة، بل أصبحت نمطًا متكررًا يعكس اختلافًا جوهريًا في فلسفة الاستثمار؛ فالمستثمر الآسيوي ينظر إلى الذهب كمخزن للقيمة وثروة استراتيجية، بينما يتعامل معه جزء كبير من المستثمرين الغربيين كأصل مالي يخضع لدورات الفائدة والسيولة.
ومن خلال متابعتي المستمرة للأسواق، أرى أن هذا السلوك يفسر سبب صمود الذهب رغم الضغوط الكبيرة الناتجة عن ارتفاع العوائد الأمريكية وقوة الدولار. ففي كل مرة يتراجع فيها المعدن الأصفر بفعل عمليات البيع في الأسواق الغربية، يظهر طلب مادي قوي من الصين والهند ودول آسيوية أخرى يمنع تحول التصحيح إلى انهيار حقيقي. لذلك أعتقد أن قراءة حركة الذهب من منظور السياسة النقدية الأمريكية فقط أصبحت قراءة غير مكتملة، لأن ميزان العرض والطلب العالمي تغير بصورة واضحة خلال السنوات الأخيرة.
ولا يمكن تجاهل الدور المتزايد للبنوك المركزية، التي واصلت تعزيز احتياطياتها من الذهب بوتيرة تاريخية، بالتوازي مع ارتفاع الطلب الآسيوي على السبائك والعملات الذهبية. ومن وجهة نظري، فإن هذا التزامن ليس مصادفة، بل يعكس تحولًا عالميًا نحو تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الدولار في ظل بيئة جيوسياسية واقتصادية أكثر تعقيدًا. وكلما استمرت هذه السياسة، ازدادت قدرة الذهب على امتصاص موجات البيع قصيرة الأجل والاحتفاظ باتجاهه الصاعد على المدى المتوسط والطويل.
وفي المقابل، أتعامل بحذر مع الروايات التي تؤكد وجود تلاعب ممنهج في أسعار الذهب عبر الأسواق الورقية. صحيح أن الفجوة بين حجم العقود الورقية والذهب المادي تثير كثيرًا من التساؤلات، كما أن الاختلاف الواضح بين أداء جلسات التداول الآسيوية والأمريكية يستحق الدراسة، إلا أنني أرى أن العامل الأكثر تأثيرًا في المرحلة الحالية هو انتقال الطلب الحقيقي نحو آسيا، وليس الاعتماد على فرضية التلاعب وحدها لتفسير حركة السوق. فالأسواق المالية بطبيعتها تتأثر بعوامل متشابكة تشمل السيولة، والسياسة النقدية، وسلوك المستثمرين، والتدفقات الاستثمارية العالمية.
كما أرى أن الذهب يمر بمرحلة إعادة تموضع أكثر من كونه دخل في اتجاه هابط جديد. فالتراجع الأخير جاء بعد موجة صعود قوية، بينما يترقب المستثمرون بيانات التضخم الأمريكية التي قد تحدد توقعات الفائدة خلال الفترة المقبلة. وإذا جاءت البيانات أقل من المتوقع، فمن المرجح أن تتراجع عوائد السندات ويضعف الدولار، وهو ما قد يمنح الذهب دفعة قوية لاستعادة زخمه الصاعد. أما إذا جاءت القراءة أعلى من التوقعات، فقد تستمر الضغوط مؤقتًا، لكنني أعتقد أن الطلب الآسيوي سيظل عنصر دعم رئيسيًا يمنع امتداد الهبوط بشكل حاد.
وفي تقديري، فإن المنطقة القريبة من 3960 دولارًا تمثل مستوى دعم محوريًا يراقبه المتعاملون بحرص، بينما تبقى العودة فوق 4120 دولارًا إشارة فنية مهمة قد تعيد تأكيد استئناف الاتجاه الصاعد. لذلك أرى أن المرحلة الحالية تتطلب من المستثمرين التركيز على الصورة الكلية بدلاً من الانجراف وراء التقلبات اليومية، لأن السوق غالبًا ما يبني اتجاهاته الكبرى عندما تكون حالة عدم اليقين في ذروتها.
وفي النهاية، أعتقد أن السؤال لم يعد ما إذا كان الذهب سيواصل لعب دوره كملاذ آمن، بل من ستكون له الكلمة الفصل في تحديد قيمته خلال السنوات المقبلة. ومن وجهة نظري، فإن الإجابة أصبحت تميل تدريجيًا نحو الشرق، حيث يتزايد الطلب الحقيقي على المعدن الأصفر، وتتوسع البنية التحتية لتسعيره وتداوله، بينما يتراجع تأثير الأسواق الغربية تدريجيًا مقارنة بما كان عليه في العقود الماضية. وإذا استمرت هذه المعادلة، فإن أي موجات تصحيح قد تتحول إلى فرص شراء استراتيجية، وقد تكون الموجة الصاعدة التالية مدفوعة هذه المرة بقوة الطلب الحقيقي أكثر من المضاربة المالية، وهو ما يجعلني أميل إلى النظرة الإيجابية للذهب على المديين المتوسط والطويل.









