بنك باركليز يحذر من صعود أسعار النفط إلى 150 دولارًا للبرميل
تتداول الفضة في مرحلة استثنائية قرب 56.50 دولار، حيث تجمع بين عوامل متناقضة تجعل قراءة اتجاهها أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. فمن جهة، تتعرض الأسعار لضغوط واضحة نتيجة تصاعد توقعات بقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، ومن جهة أخرى، تزداد المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط بوتيرة تدعم الطلب على الأصول الآمنة. وبين هذين العاملين، تبدو الفضة وكأنها تعيش صراعًا بين أساسيات الاقتصاد الكلي والعوامل السياسية، وهو ما يفسر التذبذب الحاد الذي شهدته خلال الأيام الأخيرة. ومن وجهة نظري، فإن التراجع الحالي لا يعكس ضعفًا في الأساسيات بقدر ما يعكس حالة إعادة تسعير للمخاطر في ظل تغير توقعات المستثمرين تجاه السياسة النقدية الأمريكية.
وخلال الأسابيع الماضية، كان الاعتقاد السائد أن تباطؤ التضخم الأمريكي سيمنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة لبدء دورة تيسير نقدي تدريجية، وهو ما وفر دعمًا قويًا للمعادن الثمينة. إلا أن التطورات الأخيرة في أسواق الطاقة أعادت ملف التضخم إلى الواجهة. فارتفاع أسعار النفط نتيجة تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، إلى جانب المخاوف من اضطرابات محتملة في إمدادات الطاقة العالمية، يزيد من احتمالية استمرار الضغوط التضخمية. وفي تقديري، فإن الأسواق أصبحت أكثر حذرًا في تسعير توقعات خفض الفائدة، وهو ما انعكس سريعًا على أداء الفضة باعتبارها أصلًا لا يدر عائدًا.
ورغم هذا الضغط، أعتقد أن المستثمرين يبالغون في التركيز على عامل أسعار الفائدة وحده، بينما يقللون من أهمية التحولات الهيكلية التي يشهدها الاقتصاد العالمي. فالتوترات الجيوسياسية لم تعد أحداثًا مؤقتة، بل أصبحت عنصرًا دائمًا في معادلة الأسواق المالية. ومع اتساع دائرة الصراعات وارتفاع احتمالات تعطل سلاسل الإمداد وطرق التجارة الدولية، تزداد الحاجة إلى الأصول القادرة على الحفاظ على القيمة، وهو ما يمنح المعادن الثمينة، وفي مقدمتها الفضة، دعمًا أساسيًا يصعب تجاهله على المدى الطويل.
وتتميز الفضة عن الذهب بخصوصية تجعلها أكثر حساسية للدورات الاقتصادية. فهي ليست مجرد معدن ثمين يستخدم للتحوط، بل تعد أيضًا معدنًا صناعيًا يدخل في قطاعات استراتيجية مثل الطاقة الشمسية، والإلكترونيات، والبطاريات، وأشباه الموصلات. لذلك فإن أي تحسن في النشاط الصناعي العالمي أو تسارع في الاستثمارات المرتبطة بالتحول نحو الطاقة النظيفة قد ينعكس إيجابًا على الطلب الفعلي على الفضة، حتى في بيئة نقدية لا تزال مشددة نسبيًا. ومن وجهة نظري، فإن هذه الميزة تمنح الفضة فرصًا أكبر للتعافي مقارنة بالعديد من الأصول الدفاعية الأخرى بمجرد انحسار الضغوط الحالية.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال تأثير قوة الدولار الأمريكي وارتفاع عوائد سندات الخزانة على حركة الفضة. فكلما ارتفعت العوائد الحقيقية، زادت تكلفة الاحتفاظ بالمعادن غير المدرة للعائد، وهو ما يدفع جزءًا من السيولة إلى التحول نحو أدوات الدخل الثابت. ولهذا السبب، فإن استمرار ارتفاع الدولار سيظل يمثل أحد أبرز التحديات أمام أي موجة صعود قوية للفضة خلال المدى القصير. إلا أنني أرى أن هذا العامل سيظل مرتبطًا بمسار بيانات التضخم وسوق العمل الأمريكية، أكثر من ارتباطه بالسياسة النقدية وحدها.
كما أن سلوك البنوك المركزية العالمية يستحق المتابعة، حتى وإن كان تأثيره المباشر على الفضة أقل من الذهب. فالتحول المتزايد نحو تنويع الاحتياطيات بعيدًا عن الدولار يعكس تغيرًا أوسع في النظام المالي العالمي، وهو تحول يدعم النظرة الإيجابية تجاه المعادن الثمينة بشكل عام. ومع استمرار مستويات الدين السيادي المرتفعة عالميًا، وتزايد المخاطر المالية والجيوسياسية، قد تتجه المحافظ الاستثمارية تدريجيًا إلى زيادة مخصصاتها للمعادن، بما في ذلك الفضة، باعتبارها وسيلة للتحوط وتنويع المخاطر.
ومن الناحية السوقية، أرى أن التراجع الأخير يمثل في المقام الأول عملية تصحيح بعد موجة صعود قوية، وليس بالضرورة بداية لاتجاه هابط طويل الأجل. فالأسواق بطبيعتها تمر بمراحل من جني الأرباح وإعادة بناء المراكز، خصوصًا عندما تتغير توقعات السياسة النقدية خلال فترة زمنية قصيرة. وإذا استقرت أسعار النفط أو هدأت التوترات الجيوسياسية بالتزامن مع صدور بيانات أمريكية تؤكد استمرار تباطؤ التضخم، فقد تعود التوقعات بخفض الفائدة إلى الواجهة، وهو ما قد يمنح الفضة فرصة لاستعادة جزء كبير من خسائرها.
في النهاية، أعتقد أن مستقبل الفضة خلال الأشهر المقبلة لن يتحدد فقط بقرارات الاحتياطي الفيدرالي، بل بمجموعة مترابطة من العوامل تشمل التضخم، وأسعار الطاقة، والتوترات الجيوسياسية، واتجاه الدولار، والطلب الصناعي العالمي. لذلك، فإن التركيز على عامل واحد قد يقود إلى قراءة غير مكتملة للسوق. وبرأيي، فإن التقلبات الحالية تمثل مرحلة انتقالية أكثر من كونها تغييرًا جذريًا في الاتجاه، وستظل الفضة مرشحة لاستعادة زخمها عندما تتراجع الضغوط على أسعار الفائدة أو تتزايد الحاجة إلى الأصول الدفاعية في مواجهة المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية المتصاعدة.









