الذهب أمام خدعة أمريكية الصنع

تم النشر 10/08/2026, 18:21

«الحرب هي صحة الدولة.»

راندولف بورن

هناك نمط غريب في التاريخ الأمريكي يصعب تجاهله تماماً: كلما ضاق الهامش المالي، وبدأت الأدوات الاقتصادية التقليدية تفقد قدرتها على حل المشكلة، ظهر العامل الجيوسياسي في المشهد بصورة أكبر.

بعد الكساد الكبير جاءت الحرب العالمية الثانية، ومن رحمها خرجت الولايات المتحدة بأقوى اقتصاد صناعي في العالم، وأكبر احتياطي من الذهب، ثم استطاعت بعد ذلك أن تجعل الدولار مركز النظام المالي العالمي في بريتون وودز، وبعد عقود عندما بدأت كلفة الهيمنة ترتفع وظهرت مشكلات الدولار والتضخم في السبعينيات، لم تعد القوة الأمريكية اقتصادية فقط، بل أصبح النفط والتحالفات العسكرية  والنفوذ السياسي جزءاً أساسياً من حماية النظام الذي يقوم عليه الدولار.

وتكررت الصورة بأشكال مختلفة بعد ذلك، أزمات ديون، فقاعات مالية، طباعة نقود، توسع في العجز، ثم توترات جيوسياسية تعيد ترتيب حركة الطاقة والتجارة ورؤوس الأموال حول العالم، وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة تصنع كل حرب لأنها تعاني مالياً، ولا أن كل حرب أمريكية كانت مشروعاً اقتصادياً؛ فهذا اختزال ساذج للتاريخ، لكن من السذاجة والحمق أيضاً أن نفصل بين الحرب والاقتصاد، وكأن الدول تخوض أكثر قراراتها تكلفة بعيداً عن مصالحها المالية.

فالحرب بالنسبة للقوى الكبرى لم تكن يوماً مجرد دبابات وطائرات، الحرب تعني السيطرة على طرق التجارة، مصادر الطاقة، العقود العسكرية، التحالفات، العملات التي تُدفع بها الفواتير، والجهة التي سيمر عبر نظامها المالي المال بعد أن تنتهي المعركة.

وهنا تحديداً تبدأ قصة الذهب اليوم.

فالولايات المتحدة تواجه ديناً ضخماً، وتكاليف تمويل أعلى، وضغطاً متزايداً على الدولار، بينما العالم نفسه يشهد صراعاً على النفط، التجارة، والعملات، وفي الخلفية تواصل دول وبنوك مركزية زيادة وزن الذهب في احتياطاتها وكأنما الدولار سينتهي غداً.

لذلك ربما يكون السؤال الخطأ اليوم: هل سترتفع أونصة الذهب أم تنخفض؟

السؤال الأهم هو: ماذا لو كانت الفوضى التي يراها المستثمر أمامه ليست مجرد أزمة جديدة… وإنما جزءاً من محاولة أمريكية أخرى لحماية نظام أصبح إصلاحه مالياً أكثر صعوبة؟

وهل يكون الذهب هذه المرة أمام أزمة عابرة… أم أمام خدعة أمريكية الصنع اعتاد التاريخ أن يرى أشكالاً مختلفة منها كلما أصبحت فاتورة النظام أكبر من قدرة الاقتصاد على دفعها؟، وهل الصين اشترت هذه الخدعة أو بطريقة أخرى هل انطوت عليها، وما رأي الذهب فيها أساساً...؟

آخر الأخبار

«الذهب لا يزال يمثل الشكل النهائي للدفع في العالم… فالذهب مقبول دائمًا».

آلان غرينسبان

إذا أردت أن تفهم ما الذي ينتظر الذهب خلال الفترة القادمة، فلا تبدأ من شارت الذهب فقط، ابدأ من النفط، ثم التضخم، وبعدها الفيدرالي، لأن الذهب اليوم موجود في معادلة السياسة نفسها التي تمنحه سببًا للصعود، قد تمنح الفيدرالي أيضًا سببًا للضغط عليه.

خلال الأيام الماضية عاد مضيق هرمز إلى قلب المشهد، ومع كل خبر عن تفاهم أو تعثر في المفاوضات تحرك النفط بسرعة، وهذا طبيعي لأن البرميل اليوم لا يحمل نفطًا فقط، بل يحمل معه «علاوة الخطر» أيضًا، ومن هنا نفهم لماذا تحاول الولايات المتحدة تهدئة هذه الجبهة؛ فارتفاع النفط لا يبقى محصورًا في الطاقة، وإنما ينتقل إلى النقل والإنتاج والسلع، ثم يعود لاحقًا على شكل تضخم.

وهنا تبدأ مشكلة الذهب، ارتفاع النفط والتوتر الجيوسياسي يخدمانه من جهة، لأنهما يرفعان الخوف ويزيدان الحاجة إلى التحوط، لكن إذا تحول ارتفاع النفط إلى تضخم جديد، فقد يجد الفيدرالي نفسه مضطرًا إلى إبقاء السياسة النقدية مشددة أو حتى رفع الفائدة، وهنا ترتفع العوائد ويقوى الدولار، وهذا يضغط على الذهب من الجهة الأخرى.

بمعنى أوضح: السياسة اليوم تضرب الذهب بيد على المدى القريب… وتطعمه باليد الأخرى على المدى الأبعد.

ولهذا ستكون بيانات التضخم الأميركية القادمة، في أربعاء هذا الأسبوع،  ثم اجتماع الفيدرالي في سبتمبر، من أهم الأحداث قصيرة المدى للذهب، تضخم أعلى من المتوقع قد يعيد رفع توقعات التشديد ويضغط على الذهب أولًا، لكنه إذا جاء مع تباطؤ اقتصادي واستمرار صدمات الطاقة فقد يزيد لاحقًا من مخاوف الركود التضخمي، وهي بيئة مختلفة تمامًا، أما تضخم أضعف فقد يخفف ضغط الفائدة ويمنح الذهب دعمًا مباشرًا عبر تراجع العوائد والدولار.

لكن وسط كل هذا النقاش يوجد طرف يبدو أنه لا يلعب لعبة الأسبوع القادم أساسًا: الصين.

فبكين تواصل زيادة الذهب داخل احتياطياتها، في وقت تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية والعقوبات وتقلب العملات وأسعار الفائدة، ولا يمكن الجزم بأن هدف الصين هو الهروب من الدولار تحديدًا، لكن من المنطقي قراءة هذا السلوك ضمن سياسة أوسع لتنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على أصل نقدي واحد.

وهنا تصبح الصورة أكثر إثارة للاهتمام، الولايات المتحدة تحاول قلب طاولة الاقتصاد بالسيطرة على النفط وكسر سلاسل التوريد ( قد لا يكون هناك دليل على ذلك لكن النتيجة تخبر بذلك )

لكن الصين على الناحية الأخرى هي غير منشغلة بحرب الطاقة أساساً، لا تبدو منشغلة كثيرًا بمحاولة توقع الخبر القادم أساساً...

هي ببساطة تزيد الذهب.

وربما هذه هي الرسالة الأهم: السوق يناقش ماذا سيحدث الأسبوع القادم، بينما الدول الكبرى بدأت تفكر فيما سيحدث للنظام المالي خلال السنوات القادمة وبرأيي لا اعتقد أنها قصة سنوات وإنما أصبحت قصة أشهر.

فالولايات تحاول اللعب على وتيرة الطاقة بشكل أو بآخر وذلك لتستعيد مجدها الذي أثقل بالديون، وذلك من خلال استغلال سلاسل توريد الطاقة في حين أن الصين تحاول الهروب من الولايات نحو نهاية القصة مباشرة ألا وهي الذهب وبالتالي يمكن القول باختصار شديد:

الولايات تحاول استعادة مجدها بالنفط، قد يضغط هذا على الذهب مؤقتاً، لكن نهاية القصة من يشتريها؟!

نظرة على السعر

"لا قيمة لرجل الاقتصاد دون الاحصائيات" 

الطبيب صالح 

 

1. بلغ الانحراف المعياري التراكمي لسعر الذهب 310$، وهذا يعني قابلية حركة الذهب 310$ في جلسة سوق واحدة أمر طبيعي، وبلغ شهرياً 850$، وهذا يعني حركة 850$ للذهب خلال شهر ممكنة وأن 850 مرتين خلال شهر واحد ليست خارج النطاق الاحتمالي.

2. احصائياً يتميز شهر 8 بالسلبية على سعر الذهب

3.احتمالياً ووفقاً لنموذج NDM ، فإن احتمالية كسر الذهب مستوى 4000 – 3800 انخفضت إلى 0.5%  

4.وفقاً لإليوت فإن الموجة الرابعة التصحيحية تنتهي عند 3800 – 4000، وبعد الإغلاق الأخير أعلى 4200 قد نرى ذيول من الموجة الرابعة تعيد اختبار 4200 – 4150 اختبار الوداع.

5. وفقاً لعلوم DOW  يتأكد القاع بنسبة 100% بحال أغلق السعر أعلى 4200 إغلاق اسبوعي ثاني، ويتأكد زخم الاتجاه الصاعد بحال أغلق السعر أعلى 4300

6. بلغ الفوليوم ( حجوم الأوامر المعلقة، الشراء، أوامر الشراء، الاستعداد لشراء ) عند 3800 – 4000 مستويات كافية بأن تدفع السعر بناء على العرض والطلب إلى 4800 على المدى القريب، وهذا يعني هناك من يشتري عند هذه المستويات.

7.ارتفع الفوليوم عند 4200 إلى مستويات غير مسبوقة ولم نراها منذ 2023 ( نتيجة شراء الصين للذهب )

8. تشكل نمط راية صاعد لسعر الذهب على الشارت اليومي يتحقق بعد أن يختبر السعر 4225 ثم يغلق أعلاها

 JPJ

 

الخلاصة:

بقيت فترة طويلة أتكلم عن أن القاع للذهب يتمحور ما بين 4000 – 4200 مع بعض الذيول التي قد تختبر مستويات 3980 ولكن مع الإغلاقات الأخيرة يبدو أن القاع تشكل، لكن لا هذا لا يمنع أبداً من أن نرى ذيول تعيد اختبار هذا القاع اختبار وداع، ليبدأ بعدها الصعود باستهداف 4800 وعندها قد نتكلم عن تحديث مختلف.

على المدى البعيد

مازلت إلى هذه اللحظة أرى الذهب بقمم جديدة لكن لا اعتقد هذا العام، خصوصاً مع حرب الطاقة التي قد تعيد من اشعال التضخم مجدداً، لكن كما يقال عاجلاً أم آجلاً لا بد أن تأتي الدورة الاقتصادية التي على الفيدرالي أن يفكر بخفض الفائدة خفضاً سريعاً فيها، نتيجة ما تسببت به حكومة ترامب و حرب الطاقة من ركود وهذا الركود لا يعالج أبداً إلا بضخ كم مرعب من الأموال في الأسواق، وتخفيض قيمة الفائدة ومن المتوقع أن يبدأ الخفض في الربع الأول من عام 2027 وحينها تماماً سترى رالي الذهب يبدأ من مستويات 4800 لن ينتهي قبل نهاية عام 2028 إلا عند 6500

رأي المستشار المالي

في الختام يا عزيزي، يُقال بين معشر الاقتصاديين أن الذهب أقدم من الاقتصاد الحديث نفسه، ولهذا ربما يكون من الخطأ أن نحاول فهمه بأدوات الاقتصاد المعاصر وحدها ،فالذهب لم يصنع مكانته خلال دورة فائدة، ولا خلال أزمة مالية واحدة، بل صنعها عبر آلاف السنين من السلوك البشري، وفي كل مرة تغيّر فيها النظام، أو اهتزت الثقة، أو دخل العالم مرحلة من الغموض، عاد الإنسان إليه بالطريقة ذاتها تقريبًا.

لهذا عندما تنظر إلى الذهب، لا تنظر إليه كسهم تنتظر منه أن يكافئك بحركة فورية، ولا تحاكم مستقبله بناءً على أسبوع أو شهر من التراجع والصعود، الذهب أبطأ من ذلك بكثير، لأن قصته مرتبطة بالثقة، والخوف، والسياسة، وطريقة البشر في حماية ما جمعوه عندما تصبح قيمة الأشياء من حولهم موضع شك.

وباختصار، لا تفكر بالذهب كما يفكر المضارب في سعر الغد، بل كما تفكر الحكمة الصينية في الزمن؛ لا تسأل فقط أين يقف اليوم، بل إلى أين يمكن أن يقف عندما ينتهي كل هذا التغير الذي نعيشه.

فالذهب، في النهاية، لا تُقرأ قيمته من حاضره فقط… بل من المستقبل الذي يستعد له.

المستشار عمر جاسم آل صياح

للمزيد تابعني على حسابي على منصة X  

@Omarsyyah

أحدث التعليقات

pro badge
تحليل ف منتى الروعة
تحليل ممتاز
قم بتثبيت تطبيقاتنا
تابعونا على
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.