عاجل: الذهب يستعيد بعض خسائره عقب تصريحات من ترامب
مع دخول الصراع الأمريكي-الإيراني يومه الثامن والثمانين بعد المئة، تصاعدت المخاوف من الركود التضخمي العالمي. وقد امتدت التداعيات غير المقصودة للحرب لتتجاوز نطاق الشرق الأوسط بكثير، إذ باتت تُقوّض الأمن العالمي، وتُضعف المكانة الدولية للولايات المتحدة، وتُتيح للخصوم فرصة توسيع نفوذهم.
في الوقت ذاته، تُركّز إدارة ترامب كل طاقتها على محاولة الخروج من الأزمة التي أوقعت نفسها فيها في إيران، متجاهلةً بؤر التوتر العالمية الأخرى التي طالما كانت الولايات المتحدة طرفاً فيها، كأوكرانيا وتايوان وبحر الصين الجنوبي وشبه الجزيرة الكورية وغيرها.
حين أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حربه على إيران، وصفها بأنها "نزهة" لن تستغرق سوى أسابيع قليلة. غير أنه بعد مرور ستة أشهر، تحوّل هذا الصراع إلى كابوس يطال كل من له صلة به من قريب أو بعيد.
Now، كانت هذه الحرب كارثة على الشعب الإيراني، وعلى الملايين المقيمين في سائر أنحاء الشرق الأوسط، وعلى المستهلكين حول العالم الذين يعانون من ارتفاع حاد في تكاليف المعيشة.
ومع ذلك، لا تزال أهداف ترامب الحربية بعيدة المنال، رغم تغيّر المعايير باستمرار: من المطالبة في البداية بالاستسلام الكامل لإيران وتغيير النظام والتخلي عن طموحاتها النووية، إلى المطالبة مؤخراً بإعادة فتح مضيق هرمز ووضع حد لبرنامج طهران النووي فحسب.
من قرار ترامب بتقليص التدريبات العسكرية المشتركة السنوية مع كوريا الجنوبية وسحب حاملة الطائرات الأمريكية الوحيدة في غرب المحيط الهادئ، إلى النقص الحاد في صواريخ اعتراض الصواريخ الباليستية في أوكرانيا، قد تكون أشد التداعيات الجيوسياسية والأمنية للحرب وطأةً لم تتجلَّ بعد، وقد تُحسّ بها مناطق تبعد كثيراً عن الشرق الأوسط.
وبينما لم تتطور أيٌّ من بؤر التوتر المحتملة إلى أزمة شاملة حتى الآن، ثمة أسباب وجيهة للقلق، إذ إن هذا النوع من المواقف يدفع الخصوم العالميين إلى رصد الأوضاع عن كثب واستخلاص الدروس حول أسلوب تعامل الولايات المتحدة في لحظات بعينها، ثم توظيف ذلك في تخطيطهم. بيد أننا لم نشهد حتى الآن من يستغل هذا الوضع.
أرى أن ما يجري هو إضعاف للأسس أكثر من كونه هزاً فعلياً للبنيان.
لا شك أن الضربات الأمريكية-الإسرائيلية أشعلت فتيل ردود فعل انتقامية عنيفة من طهران. إذ تتساقط الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية والقذائف الإيرانية على القواعد الأمريكية وحلفاء واشنطن في الشرق الأوسط.
كما أن الأزمة النفطية العالمية الناجمة عن قرار إيران إغلاق مضيق هرمز فعلياً قد أضرّت بحملة الضغط الاقتصادي التي تشنّها إدارة ترامب على موسكو. فأمام ارتفاع أسعار الوقود في محطات البنزين الأمريكية، اتخذ ترامب القرار المثير للجدل برفع بعض العقوبات عن صادرات النفط الروسية لتهدئة الأسواق، مما أسهم فعلياً في مساعدة روسيا على تحصيل مزيد من الإيرادات لتمويل مجهودها الحربي في أوكرانيا.
كذلك أتاح الاضطراب العالمي في تجارة النفط والغاز والأسمدة الناجم عن إغلاق المضيق لروسيا فرصة اختراق أسواق جديدة وإيجاد عملاء من بلدان أخرى. وفي بعض الجوانب، أفادت حرب إيران أوكرانيا، إذ جعلت العالم يدرك أن أكثر من أربع سنوات من الحرب حوّلت كييف إلى قوة عظمى في مجال الطائرات المسيّرة، وأفضت إلى إبرام سلسلة من اتفاقيات التعاون الأمني ووعود بتوريد الذخائر مع عدد من الدول.
على إدارة ترامب أن تحدد ما يُعدّ نتيجة مقبولة، فإن كان الهدف الوحيد المقبول هو تدمير البرنامج النووي، وما تريده إسرائيل من إيران منهكة ومنقسمة من الداخل، فإن ذلك يعني التزاماً طويل الأمد بالأرواح والموارد، وسيتحمل الاقتصاد العالمي تبعاته على المدى البعيد.
لكن ترامب قد يرى أيضاً أن جعل البرنامج النووي "غير قابل للاستخدام" يكفي - وهو ما أشار إلى إمكانية تحقيقه بإبقاء المواقع الرئيسية، المدمرة حالياً تحت الأنقاض، بعيدة عن متناول إيران عبر توجيه ضربات في كل مرة تحاول طهران الوصول إليها.
Now، ومع استمرار حركة الملاحة في المضيق دون مستويات ما قبل الحرب وتعثّر المسار الدبلوماسي مع إيران، عاد ترامب إلى المفهوم الذي بدأ به الحرب قبل ستة أشهر.
أرى أن تأرجح البندول نحو الدعوة لتغيير النظام كان آخر لحظات الديجافو في حرب تبدو وكأنها تدور في حلقات مألوفة بوتيرة شهرية.
وقد انكسر هدوء نسبي دام شهراً هذا الأسبوع، بعد أن تبادلت الولايات المتحدة وإيران الضربات على مدى ثلاثة أيام متتالية، عائدتين إلى ذات تسلسل الردود الانتقامية الذي امتد لأسابيع في وقت سابق من هذا الصيف.
وقال ترامب، الذي هدد مراراً بتدمير البنية التحتية المدنية الإيرانية، يوم الأربعاء إنه مستعد لإصدار أوامر بشنّ جولة تدمير أوسع نطاقاً إذا اقتضت الضرورة.
"كان الهجوم الليلة الماضية شديداً جداً، ونحن مستعدون لتنفيذ هجوم آخر في أي وقت نشاء"، قال ذلك مشيراً في الوقت ذاته إلى أنه لا يعتقد أن القتال المتجدد سيطول.
ووفقاً للمسؤولين، لا توجد حالياً أي محاولات جدية للعودة إلى الدبلوماسية، بعد أن أمر ترامب مبعوثيه بوقف محادثاتهم مع إيران الشهر الماضي. وعوضاً عن ذلك، يقول ترامب إنه مرتاح لمسار الصراع ولا يبدو في عجلة للتوصل إلى حل دائم للقتال.
وبينما يُقلّل الرئيس من دور انتخابات التجديد النصفي في قراراته المتعلقة بإيران، أطلق كبار المستشارين والحلفاء الجمهوريون في الكونغرس تحذيرات من أن استئناف القتال سيُلقي بظلاله السلبية على يوم الانتخابات.
"لا أعرف إلى متى يمكنهم الصمود، لكن مهما كان، فلا يهم"، قال ترامب عن إيران يوم الأربعاء. "وأنا لا أتأثر بالانتخابات."
غير أن الرغبة في صراع أقل ظهوراً تقاطعت مع تحوّل في استراتيجية الإدارة نحو محاولة خنق تمويل طهران، بما في ذلك التهديد بفرض عقوبات على كبار شركائها التجاريين. وحتى الآن، لم تُقدم وزارة الخزانة على فرض أشد هذه العقوبات المهددة بها.
لكن الأسواق العالمية شعرت بوطأة هذا التحول في استراتيجية الحرب الأمريكية، الذي يبدو أكثر إيلاماً ليس لإيران وحدها، بل قد يكون مميتاً بالقدر ذاته للعالم أجمع، إذ رسّخ التضخم المدفوع بأسعار الطاقة جذوره بعمق يفوق ما يمكن تصوّره من طول مسار التعافي، حتى لو حُسم الصراع الأمريكي-الإيراني اليوم.
عند تقييم تحركات عقود الذهب الآجلة على الرسم البياني اليومي، أجد أن الظروف السائدة منذ بداية حقبة ترامب 2.0، التي أفضت إلى سيناريو اقتصادي كارثي حيث بروز معادلات اقتصادية عالمية متحوّلة بفعل انتقال ديناميكيات الحرب من الميداني إلى النقدي، لم تكن يوماً داعمة لأسعار الذهب، إذ فقد الذهب مكانته كملاذ آمن في عام 2026، بعد أن اختبر أعلى مستوى في تاريخه في 29/01/2026 عند 5,630.52 دولار، في حين واصل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تخفيف أسعار الفائدة العام الماضي لاستيعاب ضغوط التضخم الناجمة عن التعريفات التجارية بين الولايات المتحدة وشركائها التجاريين.
لكن هذا العام أضاف مخاوف تضخمية مدفوعة بأسعار الطاقة في ظل السياسات المتغيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي بات أكثر طموحاً بعد اختطافه الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته في 03/01/2026، بهدف السيطرة على احتياطيات النفط الفنزويلية والمواد الأرضية النادرة.
لا شك أن هذه الحادثة عزّزت ثقة ترامب في فرض سيطرته المباشرة على أي دولة، مما دفعه إلى الانضمام إلى حليفه المقرّب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في شنّ غارات جوية على إيران في 28/02 من هذا العام.
الآن، وبعد مرور ستة أشهر، يدرك أنه ارتكب خطأً فادحاً، إذ لم يستطع الخروج من هذا الصراع، رغم هدفه الآني بإنهاء الحرب قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، فيما يفقد الأمريكيون ثقتهم في قيادتهم جراء الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز هذا العام.
في الوقت ذاته، عقّد الرئيس ترامب المسألة إلى حد بالغ، إذ قد يجد بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي صعوبة في تجنّب رفع أسعار الفائدة هذه المرة، نظراً لأن التحوّل في استراتيجيات الحرب من العسكرية إلى النقدية قد يواصل تصعيد العقوبات الاقتصادية ليس على إيران فحسب، بل على شركائها التجاريين أيضاً.
أمس، شهدت عقود الذهب انعكاساً حاداً بعد اختراق مستوى المقاومة النفسية عند 4,444 دولار، إذ خفّف حاكم بنك الاحتياطي الفيدرالي كريستوفر والر المخاوف من رفع وشيك لأسعار الفائدة الأمريكية.
وظل الاهتمام منصبّاً بشكل كامل على بيانات التوظيف الأمريكية المقررة صدورها لاحقاً في اليوم ذاته للحصول على مؤشرات حول مسار سياسة بنك الاحتياطي الفيدرالي.
وأشار والر إلى أن البيانات الأخيرة أظهرت علامات على تراجع التضخم، وأنه سيُفضّل إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماع السياسة النقدية لهذا الشهر إذا جاءت التقارير القادمة لتعزز الأدلة على تراجع ضغوط الأسعار.
كما أسهم التحوّل في التوقعات في تخفيف الضغط على أسواق السندات. وسجّل عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات آخر قراءاته عند 4.768% بعد تراجعه خلال الليل.
ينتظر المستثمرون الآن تقرير الوظائف غير الزراعية الأمريكي المقرر صدوره لاحقاً يوم الجمعة. ومن المتوقع أن يظل معدل البطالة عند 4.1%.
وقد يُعزز تقرير ضعيف التوقعات بأن بنك الاحتياطي الفيدرالي سيتجنب رفع أسعار الفائدة هذا الشهر، في حين قد تُحيي قراءة أقوى من المتوقع الرهانات على رفع الفائدة.
وبقيت أسعار النفط مرتفعة، مع اقتراب نفط برنت من 96.00 دولار للبرميل وارتفاعه بنحو 7% هذا الأسبوع، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية وحالة عدم اليقين بشأن تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز التي أبقت مخاطر التضخم في دائرة الاهتمام.
المستويات الفنية الجديرة بالمتابعة

على الرسم البياني اليومي، شهدت عقود الذهب الآجلة أمس تحركاً متقلباً، إذ اخترقت مستوى المقاومة النفسية عند 4,444 دولار، إلا أنها فشلت في الحفاظ على مستويات فوق المقاومة الرئيسية عند المتوسط المتحرك الأسي لـ200 يوم (4,551.64 دولار) بسبب ضغوط بيع حادة، وأغلقت اليوم عند 4,526.00 دولار.
اليوم، وبعد افتتاح التداول عند 4,226.66 دولار، واختبار أعلى مستوى يومي عند 4,533.14 دولار وأدنى مستوى يومي عند 4,511.84 دولار، تتداول عقود الذهب الآجلة عند 4,522.36 دولار، في محاولة للتمسك بدعم رئيسي عند المتوسط المتحرك الأسي لـ20 يوم (4,523.00 دولار)، وهي حالياً أدنى بكثير من المقاومة الرئيسية عند المتوسط المتحرك الأسي لـ200 يوم (4,551.64 دولار).
أرى أن كسر الدعم الفوري عند 4,509 قد يدفع العقود الآجلة لاختبار الدعم التالي عند 4,444 دولار، حيث إن الكسر دون هذا المستوى قد يُسرّع موجة البيع في ظل احتمالات رفع بنك الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة، إذ لا يملك البنك خياراً لاحتواء مخاوف الركود التضخمي في ظل تمدد الحرب الأمريكية-الإيرانية التي تحوّلت نحو السيطرة على مضيق هرمز.
إخلاء المسؤولية: يُنصح القراء باتخاذ أي مركز استثماري على مسؤوليتهم الخاصة، إذ يستند هذا التحليل فقط إلى الملاحظات.








