هندسة تعافي الاقتصاد السوري

تم النشر 14/08/2026, 10:30

يشهد الاقتصاد السوري في عام 2026 حالة من «الاستقرار القسري المدفوع بالركود»، حيث يتحرك سعر صرف الليرة السورية في الأسواق الموازية ضمن نطاقات أفقية مستقرة. ويعود هذا الثبات، من الناحية الفنية، إلى السياسات النقدية الانكماشية الصارمة التي تفرض قيودًا حادة على السيولة وسقوفًا للسحوبات اليومية بهدف كبح التضخم. وقد تسبب هذا التجفيف النقدي للمعروض بالليرة في احتفاظ الفعاليات الاقتصادية بالسيولة خارج القنوات المصرفية، نتيجة سيادة «سعر الفائدة الحقيقي السالب»، حيث تعجز أسعار الفائدة الحالية عن تغطية فجوة التضخم، مما دفع المدخر السوري حتمًا نحو 3 ملاذات رئيسية للحفاظ على القيمة: الدولار والعقار والذهب.

وفي ظل هذه البيئة الضبابية، يتخلى قطاع الأعمال عن التكلفة التاريخية، ويتبنى آلية «التسعير بناءً على التكلفة الاستبدالية المستقبلية»، مع إضافة هامش أمان وتحوط يتراوح بين 10% و20%. ويُعد هذا السلوك أداة دفاعية تمليها ضرورة الحفاظ على رأس المال التشغيلي من التآكل، وليس سلوكًا احتكاريًا؛ إذ تواجه الأسواق ركودًا حادًا في أحجام المبيعات، إلى جانب تراجع القوة الشرائية للمواطنين في ظل التحديات المعيشية الراهنة.

وتحول الذهب في سوريا، مدفوعًا بالطفرات السعرية التاريخية للأونصة عالميًا، من مجرد أداة تقليدية لزينة الرفاهية إلى ملاذ استثماري يخضع لمتابعة دقيقة من المدخرين السوريين الساعين إلى تحقيق أرباح رأسمالية مقومة بالعملة الصعبة. ورغم المرونة القانونية الجديدة التي تتيح ادخار الدولار وتداول الحوالات عبر القنوات النظامية، يظل تسعير المعدن الأصفر محليًا محكومًا بالمعادلة العالمية من جهة، وبـ«علاوة المخاطر المحلية» التي تفرضها اتجاهات السوق الموازية في دمشق من جهة أخرى. ويُعد التزام السلطات بمعادلة «المقاصة التبادلية» — أي إلزامية إدخال الذهب الخام مقابل تصدير الذهب المشغول — الضامن الأوحد للحفاظ على الكتلة الذهبية السيادية وتنشيط القيمة الصناعية المضافة لورش الصياغة المحلية.

وبالتوازي مع الذهب، تبرز حوالات المغتربين السوريين كأكبر مصدر فردي لتدفقات النقد الأجنبي، لتشكل شريان الحياة المالي الذي يغطي الاحتياجات الاستهلاكية الحادة لأكثر من ثلثي الأسر في الداخل، وتسهم في ضبط المعروض النقدي من الدولار بعد تضييق المصرف المركزي للفجوة السعرية في نشرات الحوالات الرسمية. ومع ذلك، فإن الارتهان المطلق لهذه التدفقات يمثل مخاطرة هيكلية جسيمة على المدى الطويل، نظرًا إلى تعرضها للتقلبات والأزمات العالمية.

ولم تكن العقوبات الاقتصادية الدولية يومًا صدمة عابرة، بل عملت كـ«صدمة عرض خارجية عنيفة» تفاعلت مع ظروف الحرب لتخلق تحديات إدارية وتشوهات هيكلية، أبرزها ظاهرة «البطالة المقنعة» في الجهاز الإداري العام، التي تشكل عبئًا على موازنة الدولة من خلال رواتب استهلاكية لا تقابلها إنتاجية فعلية تتناسب مع حجم الإنفاق.

وتتأثر التنافسية التصديرية للمنتج السوري بشدة جراء عجز قطاع الطاقة التاريخي الناتج عن تدمير البنية التحتية، حيث ترفع تكاليف التوليد الخاص أسعار السلع بنسبة تتراوح بين 30% و50% مقارنةً بدول الجوار. إلا أن عام 2026 يحمل تحولًا استراتيجيًا جوهريًا؛ فمع بسط الإدارة الحكومية لنفوذها على حقول النفط والغاز الكبرى شرق الفرات، قفز الإنتاج المحلي من الخام إلى مستويات تقارب 100 ألف برميل يوميًا، وهو ما يمهد لتخفيف نزيف النقد الأجنبي المستنزف في الاستيراد، بالتوازي مع انفتاح دبلوماسي إقليمي ودخول عقود استثمارية لشركات عربية ودولية في قطاعات الطاقة المتجددة والتقليدية، مستفيدةً من التخفيف الفعلي لحدة المقاطعة.

إن صياغة نموذج تعافٍ اقتصادي ناجح في سوريا لا تبدأ من هندسة النقد، بل من تثبيت أركان قطاعات الإنتاج العيني، وفي مقدمتها الزراعة والصناعات التحويلية، بالتوازي مع الانتقال الجريء من نظام «الدعم السلعي المشوه» إلى «التحويلات النقدية المباشرة والموجهة بدقة» للأسر الأشد احتياجًا، بما يسمح لأسعار الطاقة بالتحرك وفق آليات السوق وجذب المستثمرين المستقلين.

أما بورصة دمشق، فستظل عاجزة عن عكس العمق الحقيقي للاقتصاد طالما بقيت حكرًا على قطاع مصرفي مقيد، وبأحجام تداول تضخمية وهمية ناتجة عن إعادة تقييم الأصول لا عن نمو حقيقي. ويتطلب تنشيط الأسواق المالية التوجه نحو «الإدراج المزدوج بالعملات الأجنبية»، وهو ما يفرض شرطًا تشريعيًا مسبقًا يتمثل في ضمان حرية حركة رأس المال والأرباح إلى الخارج.

ويمتلك رأس المال السوري المهاجر في مصر والخليج وأوروبا الرغبة في الاستثمار في إعادة الإعمار، التي تتطلب تمويلًا دوليًا يتجاوز 216 مليار دولار للبنية التحتية، لكنه يمتلك في الوقت ذاته «عقلية مالية باردة» تطلب حدًا أدنى من اليقين التشغيلي. إذ يحتاج المستثمر الوطني إلى تأمين مستدام للكهرباء والخدمات، وحماية صارمة للملكية من التقلبات المفاجئة، والأهم من ذلك كله، رؤية التزام حقيقي ومؤسساتي من الحكومة بخطط إصلاحية ومعايير دولية واضحة، بالتناغم مع توجهات صندوق النقد الدولي، لتوفير «شهادة جدارة ائتمانية وضمان سيادي» يقللان من مخاطر الدولة ويدمجان الاقتصاد السوري مجددًا في قنوات العولمة المالية.

ختامًا، لا يمكن قراءة آفاق التعافي السوري بعيدًا عن الإشادة بالجهود الدؤوبة والسعي الحثيث للحكومة الحالية، التي نجحت في تفكيك العقد المستعصية لعقود من الحرب عبر تبني سياسات مرنة وشجاعة؛ إذ نجحت في ضبط استقرار الليرة، وتفعيل القنوات النظامية للحوالات، واستعادة إدارة حقول النفط الحيوية شرق الفرات.

إن قفزة الإنتاج النفطي المحلي إلى قرابة 100 ألف برميل يوميًا، بالتوازي مع عودة نحو 1.72 مليون لاجئ من الخارج، وإبرام عقود الطاقة الإقليمية والدولية الواعدة في عام 2026، كلها مؤشرات رقمية مبشرة تبث الأمل في نفوس السوريين. وتؤكد هذه الأرقام أن عجلة الانتعاش قد انطلقت بالفعل، وأن الهيكل الاستثماري بات جاهزًا، بدعم حكومي متكامل، لاستقطاب رأس المال الوطني وقيادة البلاد نحو نهضة اقتصادية مستدامة.

أطيب التحيات.

هندسة تعافي الاقتصاد السوري

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تابعونا على
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.