مجلس التعاون الخليجي يدين هجومًا على سفن أدنوك في مضيق هرمز
في الحقيقة، أرى أن التراجع الأخير في أسعار الذهب لا يعكس تحولًا جوهريًا في الاتجاه العام، بقدر ما يمثل مرحلة طبيعية من جني الأرباح بعد موجة صعود قوية دفعت المعدن إلى أعلى مستوياته في أكثر من شهرين. واختبار مستوى 4,300 دولار في هذه المرحلة لا ينبغي قراءته باعتباره إشارة سلبية منفردة، بل اختبارًا مهمًا لقدرة المشترين على الدفاع عن مستويات الأسعار المرتفعة. ومن وجهة نظري، لا تزال الصورة الأساسية للذهب تميل إلى الإيجابية، وإن كان الطريق أمامه مرشحًا لمزيد من التذبذب قبل استعادة الزخم الصاعد.
والعامل الأهم الذي يدعم هذه الرؤية هو التحول النسبي في توقعات السياسة النقدية الأمريكية. فبيانات التضخم الأخيرة لم تقدم، في تقديري، مبررًا قويًا لاستمرار التشدد النقدي بالدرجة نفسها، خصوصًا مع توافق التضخم الأساسي السنوي مع التوقعات عند 2.5% في يوليو، وارتفاع المؤشر الأساسي الشهري بنسبة 0.2%. وفي الوقت نفسه، جاء أداء مؤشر أسعار المنتجين أكثر اعتدالًا، وهو ما يمنح الأسواق مساحة أكبر لإعادة تقييم مسار أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة. وبالتالي، فإن تراجع احتمالات رفع الفائدة في سبتمبر إلى نحو 35%، مقارنةً بنحو 55% قبل أسبوع، يمثل تطورًا داعمًا للذهب على المدى المتوسط.
ومن وجهة نظري، فإن أهمية هذه التطورات لا تكمن فقط في قرار الاحتياطي الفيدرالي المقبل، وإنما في اتجاه توقعات الأسواق بشأن السياسة النقدية بعده. فالذهب لا يحتاج بالضرورة إلى خفض فعلي لأسعار الفائدة حتى يستفيد؛ إذ إن مجرد تراجع احتمالات التشديد وارتفاع القناعة بأن دورة رفع الفائدة أصبحت أقل ترجيحًا يمكن أن يدفع المستثمرين إلى زيادة انكشافهم على المعدن، خصوصًا في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن الاقتصاد العالمي والسياسة الأمريكية. ولذلك، أعتقد أن أي إعادة تسعير جديدة لتوقعات الفائدة لصالح التيسير قد تمنح الذهب محفزًا لاستعادة الاتجاه الصاعد.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل العامل الذي تسبب في جزء مهم من التصحيح الحالي، وهو الارتفاع الحاد في عوائد سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل. ويمثل تجاوز عائد السندات لأجل 30 عامًا مستوى 5.2% تحديًا واضحًا للذهب، لأن ارتفاع العوائد يزيد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بأصل لا يدر عائدًا. ولهذا، أرى أن استمرار ارتفاع العوائد سيكون أحد أهم المخاطر التي قد تحد من قدرة الذهب على اختراق قممه الأخيرة. لكن إذا هدأت العوائد أو بدأت الأسواق في تسعير سياسة نقدية أقل تشددًا، فقد يتحول هذا العامل من مصدر ضغط إلى محفز إضافي للصعود.
أما العامل الجيوسياسي، فأراه أكثر تعقيدًا. فالتوترات المرتبطة بالولايات المتحدة وإيران ومضيق هرمز ترفع مستوى المخاطر في الأسواق، وهو ما يمنح الذهب دعمًا من زاوية الملاذ الآمن. وفي الوقت نفسه، فإن ارتفاع أسعار الطاقة لفترة طويلة قد يعيد إشعال مخاوف التضخم ويضغط على الاحتياطي الفيدرالي للإبقاء على موقف أكثر تشددًا. لذلك، فإن تأثير العوامل الجيوسياسية على الذهب لن يكون خطيًا، بل سيتحدد وفق طبيعة تطورات الأزمة ومدى انعكاسها على النفط والتضخم والعوائد الأمريكية.
ومن زاوية أخرى، فإن تراجع أسعار النفط خلال الأيام الأخيرة قد يكون عاملًا إيجابيًا غير مباشر للذهب، إذا ساهم في الحد من الضغوط التضخمية العالمية. وبرأيي، فإن انخفاض النفط بالتزامن مع اعتدال بعض مؤشرات التضخم الأمريكية قد يمنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر للمناورة مستقبلًا، وهو سيناريو يصب في مصلحة الذهب إذا انعكس على توقعات أسعار الفائدة والعوائد الحقيقية.
وبناءً على ذلك، أعتقد أن مستوى 4,300 دولار يمثل منطقة اختبار مهمة أكثر من كونه نقطة تحول مؤكدة في الاتجاه. فإذا تمكن الذهب من الاستقرار فوقها وظهرت عمليات شراء واضحة عند التراجعات، فسأعتبر ذلك مؤشرًا على أن التصحيح الحالي يجري داخل اتجاه صاعد أكبر، وقد يفتح المجال أمام محاولة جديدة لاستعادة القمم الأخيرة ثم البحث عن مستويات أعلى. أما كسر هذا المستوى بوضوح مع استمرار صعود العوائد والدولار، فقد يطيل التصحيح ويدفع السوق إلى إعادة تقييم مستويات الدعم التالية.
وفي المحصلة، أميل إلى الاعتقاد بأن التراجع الحالي في الذهب يمثل تصحيحًا داخل اتجاه إيجابي، وليس بداية انعكاس هبوطي مستدام. وأرى أن المعادلة الأساسية خلال الفترة المقبلة ستدور حول 3 محاور رئيسية: توقعات أسعار الفائدة الأمريكية، وحركة عوائد السندات، ومستوى المخاطر الجيوسياسية. لذلك، سأراقب بشكل خاص أي تغير في لهجة مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي والبيانات الاقتصادية القادمة، لأن المفاجأة في أي من الاتجاهين قد تكون الشرارة التي تحدد ما إذا كان الذهب سيكتفي بالتماسك حول مستوى 4,300 دولار أم سيبدأ بالفعل موجة صعود جديدة.










