هل انتصر الذهب على الفضة وهل انتهى الصعود أساساً

تم النشر 17/08/2026, 16:05
"الذهب أداة مراهنة على الخوف"

وارن بافيت

الذهب ليس مجرد معدن يتحرك مع العرض والطلب، بل مرآة للمشاعر. يرتفع مع الخوف، ويتوهج مع الشك، ويعود إلى الواجهة كلما تراجع اليقين بالسوق، بالدولار أو بالمستقبل، ولهذا، عندما تنظر إلى الذهب… لا تسأل فقط: إلى أين وصل السعر؟ بل ابحث عن المشاعر السائدة في السوق، وفي يومنا هذا لا ننكر أبداً أن السوق في حالة يرثى لها، تخوف من التضخم، تخوف من الحرب وتوسعها، ديون متراكمة على دولة الدولار والتي لا تفكر سوى بالحرب، وهنا تماماً نقول: إن الذهب صعد ليس لأن الطلب عليه ارتفع، وإنما لأن الدولار نفسه انخفض، ليبقى السؤال الأهم هو لماذا كان سباقاً لكل المعادن، والفضة تحديداً؟
 
 
آخر الأخبار وأثرها على السوق
 
إذا دققنا قليلًا في سيكولوجية الذهب، سنجد أن الأسباب التي تدفعه للصعود كثيرة، لكن خلف معظمها مبرر واحد يتكرر بأشكال مختلفة: الثقة.
فالذهب لا يحتاج دائماً إلى أزمة مكتملة حتى يصعد، أحياناً يكفي أن يبدأ الشك. شك في العملة، أو في قدرة الحكومات على إدارة ديونها، أو في استقرار النظام المالي نفسه.
 ولهذا، يمكن تلخيص أبرز دوافع الذهب بأربع صور عامة:

1. تآكل القوة الشرائية للدولار الذي نقيس به الذهب أصلًا، فكلما تراجعت قيمة العملة التي تُسعِر بها الأصول، ارتفعت قيمة ما يُنظر إليه كمخزن للقيمة.
2. تراكم الديون الأميريكية بوتيرة تثير تساؤلات حول استدامتها، خصوصًا عندما يصبح جزء من هذه الديون مرتبطاً بتمويل العجز أكثر من ارتباطه بنمو حقيقي قادر على خدمتها.
3. الخوف من تراجع الثقة بالدولار، لا بمعنى اختفائه أو انهياره بين ليلة وضحاها، وإنما تراجع مكانته تدريجيًا كملاذ لا يُناقش.
4. الخوف من الحروب والنزاعات، لأن الحرب لا تنتهي بانتهاء إطلاق النار؛ فغالباً ما تبدأ فاتورتها الاقتصادية الحقيقية بعد ذلك: ديون، تضخم، إعادة إعمار، إنفاق عسكري، واضطراب في التجارة والطاقة.
وهنا تحديدًا نفهم لماذا يعيش الذهب اليوم في بيئة مثالية تقريبًا لصناعة القلق.فنحن في مرحلة لم يعد فيها الصراع اقتصاديًا فقط، بل أصبح صراعًا على عرش الاقتصاد العالمي نفسه؛ الولايات المتحدة في جهة، والصين وروسيا في جهة أُخرى، وبينهما معارك على التكنولوجيا، الطاقة، سلاسل الإمداد، العملات، والنفوذ.

وفي الوقت نفسه، هناك صراع آخر لا يقل أهمية يدور حول مصادر الطاقة والممرات التي تعبر منها، فكل توتر بين الولايات المتحدة وإيران، وكل تهديد لممر بحري مهم، لا يُقرأ كسطر سياسي في الأخبار فقط، بل كاحتمال لارتفاع تكاليف الطاقة، واضطراب التجارة، وعودة التضخم من جديد.
وكلما زادت هذه الاحتمالات، زاد السؤال الذي يخيف الأسواق: ماذا لو تغيّر النظام الاقتصادي بشكل أسرع مما نستطيع التأقلم معه؟

ليس المطلوب حتى أن يسقط الدولار أو ينهار. يكفي أن يتضعضع اليقين به قليلًا، وأن يشعر جزء من العالم بأن الاحتفاظ بكل الثروة داخل النظام نفسه لم يعد مريحًا كما كان.
ثم نضيف فوق كل ذلك عاملًا آخر أكثر حساسية: الذكاء الاصطناعي.
فالطفرة الهائلة في تقييمات الشركات المرتبطة بالـAI خلقت حالة من التفاؤل الشديد، لكن التفاؤل الشديد في الأسواق يحمل دائمًا وجهًا آخر. فإذا تحولت هذه الطفرة في مرحلة ما إلى فقاعة، أو بدأت التقييمات تنكمش بعنف، فالمشكلة لن تكون في هبوط بعض الأسهم فقط، وإنما في مليارات وربما أكثر من الثروات الورقية التي يمكن أن تتبخر خلال فترة قصيرة، ومعها تعود الأسئلة القديمة نفسها عن الأمان، والسيولة، ومخزن القيمة.
وهنا نرجع من جديد إلى الذهب.

فتآكل القوة الشرائية، وتضخم الديون، والصراع على النظام العالمي، والحروب، والطاقة، والخوف من الفقاعات المالية… تبدو أسبابًا مختلفة، لكنها في الحقيقة تلتقي جميعًا عند نقطة واحدة: الثقة.
وطالما بقيت الثقة محل سؤال، سيبقى الذهب يملك سببًا للظهور.
وطالما ازداد الخوف من أن يتغير شكل الاقتصاد أسرع من قدرة الناس على فهمه… سيبقى الذهب يجد من يبحث فيه عن الإجابة.
 
التحليل الاقتصادي

لكن حتى لا نبقى أسرى للأخبار والانطباعات العامة، دعونا ننتقل إلى الأرقام؛ لأن الخوف قد يدفع الذهب للصعود، لكن الاقتصاد هو من يحدد إن كان هذا الخوف مبررًا.. أم مبالغًا فيه.
وبالنظر إلى المؤشرات الحالية، لا يمكن القول إن الاقتصاد الأميريكي ينهار، لكن في الوقت نفسه لا يمكن القول إنه يعيش أفضل حالاته.
التضخم عند 2.2%، أي أنه اقترب كثيرًا من مستهدف الفيدرالي، بينما تشير تقديرات النمو إلى 4.31%، وهي للوهلة الأولى قراءة قوية، وتوحي بأن الاقتصاد ما زال قادرًا على النمو. لكن حين ندقق أكثر في مصادر هذا النمو، تصبح الصورة أقل بساطة؛ فجزء مهم من الزخم يأتي من الارتفاعات الكبيرة في قطاع الذكاء الاصطناعي، وجزء آخر من النشاط المرتبط بقطاع الصناعات الدفاعية الأميركية، وهي شركات خاصة استفادت بشكل واضح من تصاعد الإنفاق والطلب خلال الفترة الأخيرة.
وفي المقابل، البطالة عند 4.1%، وهي نسبة لا تشير حتى الآن إلى كسر حقيقي في سوق العمل، لكنها أيضًا لا تكفي وحدها للقول إن الاقتصاد يتحسن.
 
بمعنى أبسط:
النمو موجود، والبطالة ما زالت تحت السيطرة جزئيًا، والتضخم هدأ… لكنه لم ينتهِ، والأسباب القادرة على إعادته لم تختفِ.
وهنا تصبح الصورة أكثر تعقيدًا؛ لأن هذه العوامل تمنح الذهب أسبابًا للاستمرار، لكنها في الوقت نفسه تمنح الفيدرالي أسبابًا للتريث والإبقاء على سياسة نقدية حذرة، بدل الاندفاع نحو خفض سريع للفائدة.
ثم نصل إلى الرسالة الأهم… سوق السندات.
فعائد السنتين عند 4.158%، والخمس سنوات عند 4.353%، والعشر سنوات عند 4.688%، بينما تتجاوز عوائد العشرين والثلاثين عامًا مستوى 5.25% .
أي أن السوق، رغم تراجع التضخم، ما زال يطلب عائدًا أعلى كلما ابتعدنا في الزمن.
وهذه ليست مجرد أرقام على شاشة، بل رسالة واضحة، المشكلة لم تعد في مستوى الفائدة اليوم فقط، وإنما في مقدار الثقة بما سيحدث غدًا.
فالاقتصاد الأميريكي ليس ضعيفًا بما يكفي ليفرض على الفيدرالي خفضًا سريعًا للفائدة، والتضخم ليس ميتًا بما يكفي ليمنحه حرية كاملة في الخفض.
وهكذا يجد الفيدرالي نفسه عالقًا بين طرفين:
اقتصاد ما زال قويًا بما يكفي لمنعه من التسرع… وديون وعوائد طويلة الأجل مرتفعة بما يكفي لمنعه من الاطمئنان.
وهذه تحديدًا بيئة يحبها الذهب:
لا انهيار واضح ينهي اللعبة… ولا استقرار كامل يعيد الثقة كما كانت.
 

 
 

نظرة على السعر  
"لا قيمة لرجل الاقتصاد دون الاحصائيات" 
الطبيب صالح 

 هل ما سبق ينعكس فنياً على سعر الذهب ـ أو احصائياً ؟ ، طبعاً لا شكل ، فالسعر ما هو إلا انعكاس لكل الواقع وما فيه أو على رأي نيكولا تيسلا ، الأرقام ما هي إلا عام من بعد آخر فيه كل تفاصيل ما نعرف.
 
1. بلغ الانحراف المعياري التراكمي لسعر الذهب 300$ ، وهذا يعني قابلية حركة الذهب 300$ في جلسة سوق واحدة أمر طبيعي ، وبلغ شهرياً 850$، وهذا يعني حركة 850$ لذهب خلال شهر ممكنة وأن 850 مرتين خلال شهر واحد ليست خارج النطاق الاحتمالي، وهي أرقام لا تعتبر طبيعية، لكن مع مرابطة الظروف تعتبر بديهية
 
2. احتمالياً ووفقاً لنموذج NDM  ، فإن احتمالية كسر الذهب مستوى 4000 – 3800 انخفضت إلى 0.2%  ، واحتمال استمرار ارتفاع الذهب أعلى 4000 – 4200 بلغت 85%
 
3. احتمالياً إمكانية تحقيق قمم جديدة لذهب مع ثبات هذه الظروف هي نسبة تصل إلى 85%
 
4. وفقاً للإحصاء ونماذج إليوت ما زال الذهب يحمل قابلية تصل إلى 70% لأن يشكل الموجة الخامسة والتي بدئت من قاع 4000 – 4200 والتي لن تنتهي قبل  6500 كأقل تقدير خصوصاً مع بدء  خفض الفائدة بالتوافق مع انفجار فقاعة AI  والتي من المتوقع ان يكون كلاهما خلال النصف الثاني من 2027 كأقصى تقدير.



 
 

الخلاصة:

فنياً الذهب يعكس الظروف التي نراها على أرض الواقع ، ويعكس الخوف من مستقبل مجهول ، لكن السؤال الآن بعد الحديث المطول جداً على الذهب ، لماذا لم تلحقه الفضة كونها معدن ثمين؟
 
رأي المستشار المالي

بعد كل ما سبق، نصل إلى السؤال الذي ربما يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة أهم سؤال في المقال:
إذا كان الذهب قد أعاد تسعير نفسه بهذه القوة… فلماذا لم تفعل الفضة الشيء نفسه، وهي في النهاية معدن ثمين؟
برأيي، الخطأ يبدأ من افتراض أن الذهب والفضة يجب أن يتحركا في الوقت نفسه وبالسرعة نفسها.
فالذهب يتحرك أولًا مع الخوف والثقة والسيولة؛ يكفي أن يقلق العالم من العملات، أو الديون، أو الحروب، أو السياسة النقدية، حتى تبدأ الأموال بالبحث عنه، أما الفضة فمعادلتها أعقد.

هي معدن ثمين، نعم، لكنها في الوقت نفسه معدن صناعي يدخل في قلب الاقتصاد الحقيقي. ولذلك لا يكفي أن يخاف المستثمر حتى ترتفع، بل تحتاج غالبًا إلى اجتماع أكثر من عامل في وقت واحد: طلب استثماري، وطلب صناعي، وسيولة تبحث عن بديل، وشعور بأن الفارق بينها وبين الذهب أصبح أكبر مما ينبغي.
ولهذا أرى أن الفضة تلحق بالذهب… لكن ليس بهذه البساطة.

فالذهب يستطيع أن يتحرك منفردًا لفترة طويلة، لأنه أصل نقدي قبل كل شيء، بينما الفضة تحتاج إلى أن تنضج قصتها كاملة.
وهنا تحديدًا تكمن الفكرة.

كل ارتفاع كبير في الذهب يعيد طرح السؤال حول بقية المعادن المقومة بالدولار، ومع استمرار الذهب في تثبيت مستويات سعرية أعلى، يبدأ السوق شيئًا فشيئًا بإعادة النظر في قيمة الفضة نفسها.
ليس لأنها يجب أن ترتفع فقط لأن الذهب ارتفع، وإنما لأن الفارق في إعادة التسعير يصبح مع الوقت أصعب على السوق أن يتجاهله.

وأنا أرى أن إعادة تسعير الفضة أمر حتمي ضمن هذه المعادلة، لكن الحتمي لا يعني الفوري.
قد تتأخر أشهرًا، وقد تمر بفترات طويلة تبدو فيها وكأنها فقدت علاقتها بالذهب، وقد تعاقب المستثمر الذي استعجل النتيجة قبل أن تكتمل الظروف.
فالأسواق لا تعيد التسعير عندما نرى نحن أن الأصل رخيص… بل عندما تتجمع الأسباب التي تجبر السيولة على رؤيته بهذه الطريقة.
وهذا ما يجعل الفضة مختلفة.

الذهب قد يسبق لأنه يسمع الخوف أولًا… أما الفضة فقد تتأخر حتى تسمع الخوف، وترى الطلب، وتشعر بالسيولة في الوقت نفسه.
وعندما تجتمع هذه العوامل، لا أعتقد أن السؤال سيكون: لماذا لم تلحق الفضة بالذهب؟ بل ربما يصبح:
إلى أي حد كان السوق قد أخطأ أصلًا في تسعير الفضة؟

لذلك، بالنسبة لي، ما حدث حتى الآن لا يعني أن الذهب انتصر على الفضة، بل يعني فقط أن الذهب أخذ دوره أولًا.
أما الفضة… فقد يكون دورها بحاجة إلى وقت أطول.
وفي الأسواق، هناك فرق كبير بين أصلٍ لن يتحرك… وأصلٍ لم يحن وقته بعد
اما ما هي المستويات التي يجب أن يكون سعر الفضة فيها عادلاً فهذا عنوان للمقال القادم؟
 


المستشار عمر جاسم آل صياح
للمزيد تابعني على حسابي على منصة X  
@Omarsyyah

أحدث التعليقات

رسمك للموجات غير دقيق ممكن انتهاء في موجا داخلية التي مرقما برقم ٣ داخليه قد يكون نهاء لي موجا ٥ الاكبر
قم بتثبيت تطبيقاتنا
تابعونا على
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.