جولدمان ساكس: الذهب يستفيد من تآكل قيمة العملات ونقص السلع
1- الرجل الذي راهن مع سوروس على كسر الاسترليني يقود اليوم معركة دعم الين
هناك مفارقات في الأسواق لا تبدو ذات معنى كبير عندما تقع، ثم تصبح بعد سنوات جزءًا من تفسير أوسع لتاريخ المال. وربما تكون قصة سكوت بيسنت واحدة منها. فالرجل الذي يقف اليوم في مقعد القيادة بوزارة الخزانة الأمريكية، في واحدة من أكثر عمليات التدخل غرابة في سوق العملات منذ سنوات، ليس سياسيًا جاء إلى عالم العملات من خارجه. إنه أحد أبناء مدرسة الماكرو العالمي التي تنظر إلى العملات وأسعار الفائدة وأسواق السندات والأصول باعتبارها أجزاء من نظام واحد، وتبحث قبل كل شيء عن اللحظة التي يصبح فيها الاختلال بين السياسة والاقتصاد والسوق أكبر من قدرة الحكومات على احتوائه.
وهذه الخلفية تصبح أكثر إثارة عندما نعرف أن بيسنت بدأ حياته المهنية داخل واحدة من أشهر صفقات العملات في التاريخ الحديث؛ رهان جورج سوروس على انهيار الجنيه الإسترليني عام 1992، الصفقة التي صنعت أسطورة «الرجل الذي كسر بنك إنجلترا». ثم عاد الرجل نفسه، بعد أكثر من عقدين، ليكون في قلب رهان آخر على انخفاض الين الياباني، محققًا مع سوروس أرباحًا ضخمة من التحول الكبير في السياسة النقدية اليابانية. واليوم، يقف في الجهة المقابلة تمامًا، وزيرًا للخزانة الأمريكية، يقود تدخلًا أمريكيًا لدعم الين.
وهنا تحديدًا تصبح سيرته أكثر من مجرد قصة صعود مهني؛ لأنها تجعل الرجل الموجود اليوم في قلب المشهد واحدًا من القلائل الذين عرفوا العملة من جانبيها... عرف كيف تُهاجَم عندما تصبح غير قابلة للدفاع، وعرف كيف تُستغل عندما تبدأ سياسة الدولة في تغيير اتجاهها، ويقف الآن في موقع من يحاول التأثير في اتجاهها بنفسه.
كانت البداية في لندن عام 1991، عندما انضم بيسنت إلى Soros Fund Management وتولى لاحقًا إدارة مكتبها هناك. ولم يكن دخوله إلى عالم سوروس مجرد انتقال إلى أحد أشهر صناديق التحوط في العالم؛ فقد وجد نفسه في قلب البيئة التي كانت تنظر إلى الاقتصاد والسياسة النقدية وأسعار الصرف باعتبارها لعبة واحدة، حيث لا يكفي أن تعرف أين تتحرك العملة، وإنما عليك أن تعرف لماذا قد تضطر الحكومة في النهاية إلى التخلي عن السعر الذي تحاول الدفاع عنه.
وكانت بريطانيا عام 1992 نموذجًا مثاليًا لهذا النوع من الاختلال. فقد كانت لندن تحاول الحفاظ على الجنيه داخل آلية سعر الصرف الأوروبية ERM، في وقت كانت فيه الظروف الاقتصادية البريطانية تجعل هذا الدفاع أكثر كلفة. كان تثبيت سعر الصرف يتطلب سياسة نقدية لا تتناسب بالضرورة مع حاجة الاقتصاد المحلي، ومع تصاعد الضغوط أصبح السؤال الحقيقي أقل تعلقًا بما إذا كان الجنيه «قويًا» أو «ضعيفًا»، وأكثر تعلقًا بمدى قدرة الحكومة على الاستمرار في الدفاع عن سعره.
وهنا ظهر النوع من الفرص الذي يبحث عنه متداولو الماكرو؛ ليس السعر الخاطئ وحده هو الفرصة، وإنما التناقض الذي يجعل الدفاع عن السعر أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
كان ستانلي دركنميلر، الذي كان يدير استثمارات سوروس، قد طور الرهان ضد الجنيه، بينما كان بيسنت من العناصر الرئيسية في الفريق الذي درس الوضع البريطاني وصاغ التحليل الذي دعم الصفقة. ثم جاء سوروس ليمنح الرهان حجمه الاستثنائي. ووفقًا لرواية بيسنت نفسه، كان دركنميلر صاحب فكرة بيع الجنيه، بينما كان سوروس هو من حدد حجم المخاطرة التي يمكن للصندوق تحملها.
لم تكن المسألة إذن مجرد توقع بأن الجنيه سينخفض. بل كان الرهان على أن الحكومة البريطانية لا تستطيع أن تبقى في معركة الدفاع عن سعر صرفها إلى الأبد.
وفي 16 سبتمبر 1992، جاء الاختبار. رفعت بريطانيا أسعار الفائدة في محاولة لدعم الجنيه، ثم اضطرت في النهاية إلى تعليق عضويتها في آلية سعر الصرف الأوروبية وترك العملة تتحرك خارج النطاق الذي كانت تحاول حمايته. حقق صندوق سوروس نحو مليار دولار من الرهان، وتحولت الصفقة إلى واحدة من أشهر عمليات المضاربة على العملات في التاريخ.
لكن ربما كان الدرس الذي خرج به بيسنت من تلك التجربة أهم من المليار دولار نفسه.(الدولة قد تكون أقوى من السوق لفترة، لكنها ليست بالضرورة أقوى منه إلى الأبد إذا كانت تدافع عن سعر يتعارض مع أساسيات النظام.)
وهذا النوع من التفكير سيظهر مرة أخرى في مسيرة بيسنت، ولكن هذه المرة في اليابان. فبعد سنوات من العمل في عالم الاستثمار، عاد بيسنت إلى Soros Fund Management، وأصبح كبير مسؤولي الاستثمار فيها عام 2011. وفي نهاية 2012 وبداية 2013، بدأت اليابان تدخل واحدة من أكثر التحولات النقدية جرأة في تاريخها الحديث مع صعود شينزو آبي وتبني سياسة اقتصادية ونقدية تستهدف كسر الانكماش ودفع التضخم والنمو إلى الأعلى.
بالنسبة إلى متداول ماكرو، كانت الصورة واضحة. إذا نجحت السياسة، فلن يبقى سعر الين كما هو. وبالفعل، راهن صندوق سوروس بقيادة بيسنت على انخفاض الين وارتفاع الأسهم اليابانية. وبحلول أوائل 2013 كانت التقارير تشير إلى أن الصندوق حقق نحو 1.2 مليار دولار من هذا الرهان خلال فترة قصيرة.
وهنا تصبح الرؤية أكثر وضوحًا. في 1992 كان بيسنت داخل الفريق الذي راهن على أن نظام سعر الصرف البريطاني لن يستطيع الدفاع عن الجنيه. وفي 2013 كان داخل الفريق الذي راهن على أن تحول السياسة اليابانية سيؤدي إلى إعادة تسعير الين نحو الضعف. وفي الحالتين لم يكن الرهان على رقم في شاشة التداول بقدر ما كان رهانًا على تحول في النظام الذي يحدد قيمة العملة.
وهذه النقطة مهمة لفهم بيسنت أكثر من مجرد أرقام الأرباح التي حققها مع سوروس. فهذا هو جوهر الـGlobal Macro البحث عن الاختلال الكبير، ثم محاولة تحديد اللحظة التي تبدأ فيها السياسة والاقتصاد والأسواق في التحرك في الاتجاه نفسه.
ولذلك فإن انتقال بيسنت لاحقًا من عالم صناديق التحوط إلى وزارة الخزانة الأمريكية لم يكن انتقالًا من عالم إلى آخر بقدر ما كان انتقالًا من مقعد المتفرج والمضارب إلى مقعد صانع اللعبة نفسه.
وهنا تبدأ القصة الحالية. في يوليو 2026، ظهرت أمام عدسة صحفي من رويترز مذكرة على مكتب بيسنت أثناء اجتماع للحكومة في كامب ديفيد، تحمل تحت عنوان «To Do» عبارة: «Buy Japanese Yen (JPY) $5–10 bil». وفي اليوم نفسه أفادت رويترز بأن وزارة الخزانة الأمريكية كانت قد أخطرت بنوكًا بإمكانية تدخلها في سوق الين.
وبعد ذلك اتضح أن التدخل الأمريكي كان بالفعل استثنائيًا في طريقة تنفيذه. الخزانة الأمريكية، عبر بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، باعت اليورو واشترت الين بدلًا من استخدام الدولار مباشرة. وقد دفع التدخل الين من قرب 164 للدولار إلى نحو 156 قبل أن يعاود الضعف لاحقًا باتجاه 159
وهنا يصبح وجود بيسنت في قلب العملية أكثر دلالة. فالرجل الذي عرف في بداية مسيرته كيف يمكن للمضارب أن يستفيد من ضعف العملة عندما يصبح النظام الذي يدعمها هشًا، ثم استفاد بعد ذلك من ضعف الين عندما بدأت اليابان تغيير سياستها، أصبح اليوم مسؤولًا عن منع الين من الاستمرار في الضعف إلى النقطة التي قد يتحول عندها اختلاله إلى مشكلة للنظام المالي العالمي. وهذه ليست مفارقة أخلاقية، ولا دليلًا بحد ذاتها على وجود خطة سرية. بل ربما تكون أكثر بساطة وأكثر أهمية؛ الرجل الذي يعرف كيف يفكر المضاربون أصبح الآن الرجل الذي يتعين عليه أن يفكر قبلهم.
فالين ليس مجرد عملة يابانية. ضعفه الطويل كان أحد أهم مصادر التمويل الرخيص للمخاطرة العالمية، عبر ما يعرف بالـCarry Trade؛ يقترض المستثمرون بالين منخفض التكلفة ويحولون الأموال إلى أصول ذات عائد أعلى. ومع استمرار فروق الفائدة، فإن أي محاولة لإعادة تسعير الين لا تؤثر في سوق العملات فقط، وإنما قد تمس مراكز في الأسهم والسندات وغيرها من الأصول العالمية.
وفي المقابل، فإن ترك الين يواصل الهبوط إلى ما لا نهاية يخلق مشكلة أخرى لليابان، من التضخم المستورد إلى الضغوط على بنك اليابان، وربما إلى الحاجة لبيع جزء من الأصول الخارجية، بما فيها سندات الخزانة الأمريكية.
ولهذا فإن التدخل الأمريكي الحالي يمكن قراءته على أكثر من مستوى في الوقت نفسه. واشنطن تريد دعم حليف رئيسي، ومنع ضعف الين من إشعال سباق خفض للعملات الآسيوية، لكنها تريد أيضًا تجنب سيناريو تضطر فيه اليابان إلى بيع كميات كبيرة من Treasuries للدفاع عن عملتها. ولهذا يدفع بيسنت أيضًا باتجاه توسيع استخدام آلية FIMA التي تسمح للجهات الأجنبية بالحصول على دولارات مقابل تقديم سندات الخزانة كضمان، بدل بيعها مباشرة في السوق.
أي أن الرجل الذي بدأ حياته المهنية وهو يبحث عن نقطة ضعف النظام أصبح اليوم مسؤولًا عن منع تلك النقطة من التحول إلى أزمة.
وهنا بالضبط تصبح قصة بيسنت تمهيدًا لفهم ما يحدث في الين، لا مجرد قصة عن رجل وصل إلى قمة السلطة المالية.
ولأن كل ما سبق من سرد لتاريخ سيرته الشخصية لا يقدم دليل واقعي عما إذا كان بيسنت يتآمر لإخفاء شيء.وإنما يطرح تساؤل أكثر أهمية وهو كيف ينظر رجل أمضى حياته في أسواق الماكرو إلى الين الحالي؟
هل يراه مجرد عملة ضعيفة تحتاج إلى دعم مؤقت حتى تستعيد اليابان توازنها؟ أم يرى أن الضعف المفرط للين أصبح جزءًا من اختلال مالي أكبر، وأن المطلوب ليس إنقاذه عند مستوياته الحالية فحسب، وإنما إدارة عملية إعادة تسعيره بحيث لا تتحول عودة الين إلى القوة إلى انفجار للـCarry Trade؟
والفارق شاسع جدًا بين الحالتين. ففي الحالة الأولى تكون واشنطن تحاول فقط إيقاف سقوط الين. أما في الحالة الثانية، فإنها قد تكون تحاول تحديد كيفية عودته.
وعليه تصبح الطريقة التي جرى بها التدخل أكثر إثارة للاهتمام. لماذا اشترت واشنطن الين ببيع اليورو بدل الدولار؟ لماذا هذا التوقيت تحديدًا؟ ولماذا يجري في الوقت نفسه بناء شبكة سيولة تسمح لليابان بالحصول على الدولار دون الاضطرار إلى بيع سنداتها الأمريكية؟
هذه الأسئلة لا تجيب عنها قصة بيسنت وحدها، لكنها تجعل من الصعب النظر إلى ما يحدث باعتباره مجرد تدخل تقليدي في سوق العملات.
فالرجل الذي كان يومًا جزءًا من الفريق الذي راهن على أن الحكومة البريطانية لن تستطيع الدفاع عن سعر الجنيه، ثم قاد لاحقًا رهانًا بمليارات الدولارات على ضعف الين، أصبح اليوم في الجهة الأخرى من المعادلة، وفي موقع يستطيع فيه التأثير في شروط اللعبة نفسها.
وهنا تنتهي قصة الرجل، لتبدأ قصة معضلة الين.
فإذا كان بيسنت يعرف من خبرته الطويلة أن أعظم الفرص لا تظهر عادة عند حركة السعر نفسها، وإنما عند التحول الذي يجعل الحركة شبه حتمية، فإن البحث يجب أن يتجه في طريق ما إذا كانت واشنطن بدأت بالفعل في إدارة تحول أكبر في الين، وفي النظام المالي الذي نشأ حول ضعفه؟
وإذا كان الأمر كذلك، فقد لا تكون عملية شراء الين التي ظهرت على مذكرة بيسنت مجرد محاولة لإيقاف عملة عند حافة السقوط... قد تكون بداية قصة أكبر بكثير.
وفي المقال التالي، سنترك الرجل قليلًا وندخل إلى المعضلة نفسها. وهل تنقذ واشنطن الين فعلًا... أم تعيد تسعيره في طريق تحول الين الياباني من عملة تمويل للمخاطرة إلى ورقة في إعادة ترتيب السيولة العالمية؟
وبعدها نختم في المقال الثالث بوضع الين في سوق العملات وتحليل حركته السعرية ومحاولة تتبع سلوكه الحالي والمنتظر فالمتوقع.









