عاجل: صعود قياسي لسعر الدولار في مصر ليتجاوز 55 جنيه.. إليك أسعار البنوك
يدخل الذهب مرحلة دقيقة تتجاوز في أهميتها مجرد حركة سعرية عابرة، بعدما نجح في الارتداد من أدنى مستوياته في ستة أسابيع، لكنه لا يزال عاجزًا عن تأكيد عودة الاتجاه الصاعد بصورة مستقرة. ومن وجهة نظري، فإن المشهد الحالي يعكس صراعًا واضحًا بين عوامل داعمة للمعدن النفيس، وفي مقدمتها حالة عدم اليقين الجيوسياسي والمخاوف المتعلقة بالاقتصاد والمالية الأمريكية، وبين ضغوط قوية يمثلها ارتفاع الدولار وإعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأمريكية. لذلك أرى أن صعود الذهب فوق 4300 دولار لا يكفي وحده لاعتبار التصحيح انتهى، بل يحتاج السوق إلى تأكيدات أساسية وفنية أكثر وضوحًا قبل الحديث عن استئناف موجة صعود جديدة.
والعامل الأكثر تأثيرًا في المرحلة الحالية هو الاحتياطي الفيدرالي، الذي ما زال يحتفظ بنبرة حذرة تجاه التضخم ومسار أسعار الفائدة. وفي تقديري، فإن استمرار السياسة النقدية عند مستويات مرتفعة لفترة أطول يمثل أحد أبرز القيود على الذهب، باعتباره أصلًا لا يدر عائدًا. وكلما ارتفعت احتمالات بقاء الفائدة مرتفعة، زادت جاذبية الدولار وأدوات الدخل الثابت مقارنة بالذهب. لذلك أعتقد أن السوق سيظل شديد الحساسية لأي بيانات أمريكية قادمة، خصوصًا بيانات التضخم وسوق العمل والنشاط الاقتصادي، لأنها ستكون العامل الحاسم في إعادة تشكيل توقعات المستثمرين بشأن الخطوة التالية للفيدرالي.
وفي المقابل، لا أرى أن الضغوط الحالية على الذهب تعني بالضرورة نهاية الاتجاه الصاعد على المدى المتوسط. فالذهب لا يتحرك فقط استجابة للفائدة والدولار، وإنما يستفيد أيضًا من المخاطر المرتبطة بالديون والعجز المالي واستدامة المالية العامة الأمريكية، إضافة إلى استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي. ومن وجهة نظري، فإن هذه العوامل تمنح الذهب أرضية أساسية مهمة، وقد تتحول إلى محرك أقوى للسعر إذا بدأت الأسواق في التشكيك في قدرة السياسة النقدية والمالية الأمريكية على تحقيق توازن مستدام بين النمو والتضخم والدين.
أما الدولار الأمريكي، فأعتقد أنه يمثل حاليًا العقبة المباشرة أمام استعادة الذهب لزخمه. فصعود الدولار يجعل المعدن النفيس أكثر تكلفة لحائزي العملات الأخرى، ويضغط عادةً على الطلب الاستثماري قصير الأجل. لكنني أرى أن استمرار قوة الدولار يحتاج إلى محفزات اقتصادية واضحة، وليس مجرد إعادة تسعير مؤقتة لتوقعات الفائدة. وإذا بدأت البيانات الأمريكية في إظهار تباطؤ ملموس في النشاط الاقتصادي أو سوق العمل، فقد تتراجع قوة الدولار تدريجيًا، وهو سيناريو سيكون داعمًا للذهب ويعيد التركيز إلى العوامل الأساسية طويلة الأجل.
ومن زاوية الأسواق العالمية، أرى أن تحركات النفط أيضًا أصبحت عنصرًا مهمًا في معادلة الذهب، خصوصًا من خلال تأثيرها على توقعات التضخم. انخفاض أسعار النفط يخفف بعض الضغوط التضخمية، وهو ما قد يمنح الفيدرالي مساحة أكبر مستقبلًا لتخفيف سياسته النقدية إذا تزامن ذلك مع تباطؤ اقتصادي. لذلك أعتقد أن العلاقة بين النفط والتضخم والفائدة ستكون من الملفات التي ينبغي للمستثمرين مراقبتها خلال الفترة المقبلة، لأنها قد تحدد ما إذا كان الضغط الحالي على الذهب سيتحول إلى تصحيح أعمق أم إلى فرصة لإعادة بناء المراكز.
فنيًا، أرى أن منطقة 4300 دولار تمثل في الوقت الراهن حاجزًا نفسيًا وفنيًا مهمًا، لكن الأهم بالنسبة لي هو قدرة الذهب على اختراقها والثبات فوقها، وليس مجرد تسجيل اختراق لحظي. فإذا نجح السعر في تجاوز هذه المنطقة مدعومًا بضعف الدولار وتحسن توقعات خفض الفائدة، فقد نشهد عودة تدريجية للزخم الإيجابي واستهداف مستويات أعلى. أما الفشل المتكرر في تجاوزها، بالتزامن مع استمرار قوة الدولار، فقد يبقي الذهب تحت ضغط ويزيد احتمالات إعادة اختبار مناطق الدعم الأخيرة.
وفي تقديري النهائي، الذهب لم يخرج بعد من منطقة الخطر، لكنه أيضًا لم يفقد مبرراته الأساسية للصعود. لذلك لا أتعامل مع التراجع الحالي باعتباره تحولًا مؤكدًا إلى اتجاه هابط، بل أراه مرحلة إعادة تسعير واختبار لقوة الاتجاه. توقعي هو أن تظل حركة الذهب متقلبة خلال الفترة المقبلة، وأن يكون مسار الدولار وتوقعات الفائدة الأمريكية العاملين الأكثر تأثيرًا على المدى القصير، بينما تبقى مخاطر الديون والجغرافيا السياسية عوامل داعمة على المدى المتوسط. ومن وجهة نظري، فإن الحسم الحقيقي سيأتي عندما يتوافق اتجاه السياسة النقدية مع حركة الدولار، وعندها فقط يمكن للذهب أن يحدد بوضوح ما إذا كان أمام موجة صعود جديدة أم أمام فترة تصحيح أطول.









