تحركات الذهب خلال الأسبوع الماضي تقدم لنا درسا مهما في فهم الأسواق لأن الكثير من المتداولين ينظرون إلى الذهب باعتباره ملاذا آمنا ويعتقدون أن وجود حرب أو أزمة يعني بالضرورة أن الذهب يجب أن يرتفع ولكن ما حدث أثبت مرة أخرى أن حركة الذهب أكثر تعقيدا من هذه المعادلة البسيطة
الشرق الأوسط شهد تصعيدا كبيرا وصل إلى طرق التجارة والطاقة وامتد لاحقا إلى هجمات على الرياض فيما بقيت المخاوف قائمة من اتساع المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وهذه البيئة بطبيعتها داعمة للذهب لأن المستثمر يبحث في أوقات عدم اليقين عن الأصول التي يستطيع استخدامها للتحوط من المخاطر
لكن في الجهة المقابلة ظهر عامل أقوى على المدى القصير وهو الفيدرالي الأمريكي الذي رفع الفائدة خمس وعشرين نقطة أساس وأكد أن التضخم لا يزال مرتفعا وأن إمكانية المزيد من التشديد ما تزال موجودة وهذا القرار أعاد القوة إلى الدولار ورفع جاذبية السندات الأمريكية وبالتالي تعرض الذهب للضغط مباشرة بعد القرار
وهنا يجب على المتداول أن يفهم العلاقة بصورة بسيطة فالذهب لا يدفع فائدة للمستثمر ولذلك عندما ترتفع عوائد السندات بصورة كبيرة يصبح الاحتفاظ بالسندات أكثر جاذبية وعندما يتزامن ذلك مع ارتفاع الدولار يحصل الذهب على ضغط إضافي ولهذا فإن تحليل الذهب من خلال الرسم البياني وحده لا يعطينا الصورة الكاملة
المثير للاهتمام حدث لاحقا عندما بدأت أسعار النفط بالتراجع قليلا وهدأت معها بعض مخاوف التضخم فبدأ المستثمرون بإغلاق جزء من المراكز البيعية على الذهب وعاد المعدن إلى الارتفاع لينهي الأسبوع بمكاسب تقارب واحد بالمئة وكانت هذه الحركة دليلا واضحا على أن الذهب حاليا عالق بين الخوف الجيوسياسي من جهة والخوف من استمرار الفائدة المرتفعة من جهة أخرى
ومن هنا أرى أن قراءة الذهب خلال المرحلة المقبلة يجب أن تعتمد على أربعة متغيرات تتحرك مع بعضها وهي النفط والدولار وعوائد السندات الأمريكية والسياسة النقدية للفيدرالي فإذا استمر التصعيد الجيوسياسي بينما بدأت العوائد بالتراجع فقد يحصل الذهب على بيئة قوية جدا للصعود أما إذا استمر النفط فوق المستويات المرتفعة ودفع التضخم إلى الأعلى وأجبر الفيدرالي على المزيد من التشديد فقد نشهد ضغطا على الذهب حتى لو بقيت المخاطر السياسية مرتفعة
وهذا بالضبط هو الخطأ الذي يقع فيه كثير من المتداولين عندما يسألون هل الحرب إيجابية أم سلبية للذهب لأن السؤال الحقيقي ليس ماذا حدث في الحرب وإنما كيف غير هذا الحدث توقعات التضخم والفائدة والدولار والعوائد وعندما نفهم هذه السلسلة تصبح حركة الذهب أكثر وضوحا









