عاجل: الذهب يفقد بريقه.. الفائدة المرتفعة والنفط يضغطان على المعدن الأصفر
تدخل أسعار الذهب مرحلة حساسة مع عودة الذهب XAU/USD إلى اختبار منطقة 4400 دولار للأونصة، في وقت تتصارع فيه مجموعة من العوامل الأساسية بين دعم المعدن النفيس والضغط على تحركاته. ومن وجهة نظري، فإن أهمية المستوى 4400 دولار لا تكمن فقط في كونه مستوى سعريًا بارزًا، وإنما في كونه اختبارًا حقيقيًا لقدرة الذهب على استعادة الزخم الصاعد في بيئة أصبحت فيها الدولار الأمريكي وعوائد السندات وسياسة الاحتياطي الفيدرالي أكثر تأثيرًا على حركة الأسواق.
في تقديري، يبقى الدولار الأمريكي العامل الأكثر أهمية في تحديد الاتجاه قصير ومتوسط الأجل للذهب. فارتفاع الدولار يجعل الذهب المقوم بالعملة الأمريكية أكثر تكلفة على حائزي العملات الأخرى، في الوقت الذي تؤدي فيه العوائد المرتفعة إلى زيادة تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بأصل لا يدر عائدًا دوريًا. وهذا ما يفسر جزءًا من الضغوط التي تعرض لها الذهب مؤخرًا.
والأهم من ذلك أن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي رفع أسعار الفائدة في 16 سبتمبر بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75%-4%، مع استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة وفق بيان البنك المركزي. كما أظهرت توقعات أعضاء الفيدرالي مسارًا للفائدة أعلى مما كان متوقعًا في إسقاطات يونيو، وهو ما يعني بالنسبة لي أن الأسواق لا تزال مطالبة بالتعامل مع احتمال استمرار السياسة النقدية التقييدية لفترة أطول.
لكنني لا أرى أن ارتفاع الفائدة يمثل وحده سببًا كافيًا للحكم على الاتجاه طويل الأجل للذهب. فالذهب يمتلك مجموعة من المحركات الهيكلية الأخرى، من بينها المخاطر الجيوسياسية، والطلب الاستثماري، وتدفقات صناديق الذهب، والمخاوف المرتبطة بالديون والعجز المالي. وقد أشار مجلس الذهب العالمي إلى أن تدفقات صناديق الاستثمار والزخم الاستثماري وضعف الدولار كانت من العوامل المهمة وراء قوة الذهب خلال أغسطس، عندما سجل المعدن ارتفاعًا شهريًا قويًا.
ومن هنا أرى أن العلاقة بين الذهب والدولار والفائدة أصبحت أكثر تعقيدًا من المعادلة التقليدية. فقد نشهد ارتفاع الذهب رغم تشدد الفيدرالي إذا تراجعت العوائد أو ضعف الدولار أو تصاعدت المخاطر الجيوسياسية. وهذا ما ظهر بالفعل خلال الأسبوع الماضي؛ إذ ارتفع الذهب إلى نحو 4390 دولارًا مع تراجع أسعار النفط وتخفف بعض المخاوف التضخمية، رغم رفع الفيدرالي للفائدة.
أما التوترات الجيوسياسية، فأعتقد أنها تمثل سلاحًا ذا حدين بالنسبة للذهب. صحيح أن الذهب يستفيد عادة من زيادة الطلب على الملاذات الآمنة، لكن الأزمات قد تدفع المستثمرين في الوقت نفسه إلى الدولار وسندات الخزانة الأمريكية، وبالتالي قد لا يتحول كل تصعيد جيوسياسي تلقائيًا إلى مكاسب للذهب. لذلك أرى أن السؤال الأهم ليس: هل ترتفع المخاطر الجيوسياسية؟ وإنما: إلى أي أصل ستتجه السيولة عندما ترتفع المخاطر؟
ويلعب النفط دورًا مهمًا في هذه المعادلة. ارتفاع أسعار الطاقة يمكن أن يعيد إشعال المخاوف التضخمية ويدفع الأسواق إلى توقع استمرار تشدد الفيدرالي، وهو ما يشكل ضغطًا على الذهب. في المقابل، فإن استمرار تراجع النفط قد يخفف الضغوط التضخمية ويمنح الأسواق مساحة أكبر لتوقع سياسة نقدية أقل تشددًا مستقبلًا، وهو سيناريو أراه أكثر دعمًا لأسعار الذهب.
وبالنسبة إلى توقعات أسعار الذهب، أرى أن منطقة 4400-4440 دولار تمثل حاليًا منطقة اختبار رئيسية. فقد أشارت بيانات السوق الأخيرة إلى أن الذهب كان يختبر هذه المنطقة، وأن تجاوزها والثبات فوقها يمكن أن يفتح المجال أمام استعادة الزخم الصاعد، بينما استمرار الفشل في اختراقها سيبقي الباب مفتوحًا أمام عمليات جني الأرباح وإعادة اختبار مستويات دعم أدنى.
ومن وجهة نظري، السيناريو الأكثر منطقية في المرحلة المقبلة هو استمرار ارتفاع تذبذب الذهب بدلًا من التحرك في اتجاه واحد بشكل واضح. فإذا استمر الدولار في القوة وارتفعت عوائد سندات الخزانة مع بقاء توقعات رفع الفائدة، فإن الذهب سيظل تحت ضغط تصحيحي. أما إذا هدأت العوائد وتراجع الدولار وانخفضت أسعار النفط، فقد يحصل XAU/USD على دفعة جديدة لمحاولة تجاوز 4400 دولار والثبات فوقها.
في المحصلة، لا أرى أن الضغط الحالي يعني بالضرورة انتهاء الاتجاه الصاعد طويل الأجل للذهب، لكنه يؤكد أن الطريق نحو مستويات قياسية جديدة لن يكون مستقيمًا. بالنسبة لي، فإن 4400 دولار هي منطقة اختبار للتوازن بين السياسة النقدية والدولار والعوائد والمخاطر الجيوسياسية. اختراقها والثبات فوقها سيعطي السوق إشارة على عودة القوة الشرائية، بينما استمرار التداول دونها سيبقي الذهب في مرحلة إعادة تقييم.
لذلك، فإن قراءة سعر الذهب اليوم وحده لا تكفي لبناء توقع دقيق. القراءة الأعمق تبدأ من متابعة الدولار، وعوائد سندات الخزانة الأمريكية، وتوقعات الفائدة، وأسعار النفط، والتطورات الجيوسياسية في الوقت نفسه. وفي هذه البيئة، أرى أن اتجاه الذهب القادم سيتحدد بمدى قدرة المشترين على امتصاص ضغوط الفائدة والعوائد، وليس بمجرد قوة الطلب على الملاذ الآمن.










