في يوم الجمعة، ومع دخول الصراع الأمريكي-الإيراني يومه الـ246، تتبادل واشنطن وطهران إشارات متضاربة؛ إذ يرى المحللون أن الثقة لا تزال العقبة الرئيسية أمام أي اتفاق، في ظل تقارير نشرتها صحيفة نيويورك تايمز (NYT) الأسبوع الماضي تفيد بأن الولايات المتحدة وإسرائيل وضعتا خططاً مشتركة لمهاجمة إيران عقب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في 03/11.
غير أنه في اليوم ذاته، نقلت صحيفة واشنطن بوست أن نائب الرئيس جي دي فانس عرض لقاءً مباشراً مع محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، بهدف التفاوض على إنهاء الحرب.
وفي يوم الجمعة، عاد الوسطاء القطريون إلى طهران لإجراء محادثات منسقة مع الولايات المتحدة، وفق ما أفاد مسؤول لوكالة رويترز.
الآن، يبقى السؤال المحوري: هل تتجه واشنطن نحو الحرب أم نحو الاتفاق؟ لا سيما أن التقارير الإعلامية المتضاربة تزيد من حدة الغموض حول مآلات هذا الصراع، فيما شهدت عقود الذهب الآجلة تراجعاً بنحو 2.6% في جلسة اليوم، بعد اختراق مستويات الدعم المختبرة في 30/06/2026 عند 3,955.19 دولار، وتبدو في طريقها نحو المستويات المختبرة في أكتوبر 2025 عند 3,889.90 دولار قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في 03/11.
في جوهر الأمر، تستعد واشنطن للحرب مع إبقاء قناة دبلوماسية مفتوحة.
وأفادت صحيفة وول ستريت جورنال بأن الولايات المتحدة عززت منظومات الدفاع الجوي والذخائر في المنطقة، وأعادت نشر بعض قواتها بعيداً عن القواعد المعرضة للانتقام الإيراني.
وأفاد المذيع العام الإسرائيلي "كان" بهبوط عشر طائرات شحن عسكرية أمريكية في قاعدتي عوفدا ونيفاتيم الجويتين في منطقة النقب الإسرائيلية يوم الخميس، فيما توجهت طائرات أخرى إلى الأردن والمملكة العربية السعودية وقطر.
وأعلن السيناتور الديمقراطي كريس مورفي، الذي قال إنه اطلع على هذه الخطط، أنها "جنونية"، محذراً من تصعيد مدمر.
وبحسب صحيفة نيويورك تايمز، تضمنت رسالة فانس التي سلّمها الوسطاء القطريون إلى رضائي يوم الأحد اقتراحاً بمحادثات مباشرة يقودها فانس، مع وضع البرنامج النووي الإيراني على طاولة المفاوضات منذ البداية، وذلك في محاولة لمنع استئناف الضربات.
ويبقى تأثير هذا العرض على مجريات الأحداث موضع جدل. ووصف روزبه بارسي، المحلل المتخصص في الشأن الإيراني والباحث المنتسب إلى قسم التاريخ ودراسات حقوق الإنسان في جامعة لوند السويدية، فانسَ بأنه "صوت العقل" إزاء الملف الإيراني داخل إدارة ترامب، مشيراً إلى أن إشاراته كانت "الأقل تقلباً وغموضاً".
بيد أنه أكد لقناة الجزيرة أن موقف فانس "لم يثبت يوماً أنه راسخ بما يكفي للتأثير فعلياً على قرارات ترامب".
وقال: "لذا، وعلى الرغم من أن صورة فانس تبدو أفضل من أي شخص آخر في إدارة ترامب، أشك في أن المسؤولين الإيرانيين سيولون هذا التواصل ثقةً كبيرة حتى يُثبت فانس قدرته على تحقيق نتائج ملموسة بمفرده".
من جهته، أوضح نادر هاشمي، أستاذ السياسة في الشرق الأوسط بجامعة جورجتاون، لقناة الجزيرة أن "رضائي ليس سوى صوت واحد من أصوات كثيرة"، مضيفاً أن "الواقع يشير إلى أن القرارات تُتخذ بصورة جماعية داخل الجمهورية الإسلامية".
في المقابل، يرى فولفغانغ بوستاي، المحلل في الشؤون الأمنية والدفاعية والملحق العسكري النمساوي السابق في ليبيا، رأياً مغايراً، إذ قال لقناة الجزيرة: "لا شك في أن الحرس الثوري الإسلامي [IRGC] هو من يمسك بزمام الأمور في إيران حالياً".
وفي فبراير، لقي المرشد الأعلى الإيراني آنذاك، آية الله علي خامنئي، حتفه في الضربات الأولى التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة، وخلفه نجله مرشداً أعلى جديداً، غير أن بوستاي يرى أنه "لا يملك ببساطة النفوذ الذي كان يتمتع به والده".
وأكد بوستاي: "لن يكون هناك أي اتفاق مع إيران دون موافقة الحرس الثوري"، مضيفاً أنه يمكن الافتراض بأمان أن تصريحات رضائي أو تأييده لأي مقترح "تعكس موقف قيادة الحرس الثوري"، وأن الولايات المتحدة كانت "محقة تماماً في التفاوض معه".
وأشار بوستاي إلى أنه من غير الواضح ما إذا كان رضائي مستعداً فعلاً لتقديم تنازلات جوهرية، لكن في ظل الضغط الأمريكي المتواصل، قد يصل رضائي، الحاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد، إلى قناعة بأن "مصالح إيران وبقاء النظام يمكن تأمينهما بصورة أفضل دون امتلاك أسلحة نووية وعبر سياسة خارجية أقل عدوانية".
وقال: "إنه يعلم يقيناً أن ذروة النفط باتت قريبة، وأن الوقت ينفد أمام تعافي الاقتصاد الإيراني من خلال عائدات النفط".
وأعلن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن أي تقدم مشروط بتحقيق الشروط السبعة الإيرانية، وتشمل: رفع العقوبات، وإنهاء الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية، وضمانات بوقف الضربات الأمريكية-الإسرائيلية، وتحرير الأصول الإيرانية المجمدة، مؤكداً أن "أسلوب العصا والجزرة لا أثر له على إيران"، وفق ما نقلت وكالة تسنيم شبه الرسمية.
في غضون ذلك، أكد فانس لشبكة فوكس نيوز يوم الخميس أن ترامب لن يسمح "أبداً" بأن يتحول الصراع إلى "حرب لا تنتهي".
وأفاد أندرياس كريغ، الأستاذ المشارك في دراسات الأمن بكلية كينغز كوليدج لندن، لقناة الجزيرة بأن عرض فانس للمحادثات المباشرة "يوحي بأن الأمريكيين يراجعون حساباتهم"، وأنهم أقل استعداداً للضرب مما يُصرّحون به علناً.
لكنه حذر من أن كوبر، الذي وصفه بأنه "صقري النزعة"، قد يمنح ترامب ثقة زائفة بـ"وجود مخرج عسكري، في حين أنه لا يوجد في الواقع مخرج عسكري".
وقال: "الاعتقاد بأن ثمة عملية عسكرية سريعة وحاسمة لحل هذه القضية هو وهم واضح".
وأوضح بول موسغريف، الأستاذ المشارك في الحوكمة بجامعة جورجتاون في قطر، لقناة الجزيرة أن البيت الأبيض ربما يرسل إشارات لإكراه طهران، لكن "التفسير الأدق هو الأبسط".
ويرى أن "الولايات المتحدة تستعد لتنفيذ ضربات موسعة في وقت قريب نسبياً"، مشيراً إلى أنه لا يتوقع أن تقبل واشنطن ما وصفه بالصفقة غير المواتية التي تعرضها طهران "دون جولة أخرى من الضربات".
وأشار بوستاي إلى أن التركيز الرئيسي لترامب ينصبّ حالياً على الانتخابات النصفية، مما يجعل من "المستبعد جداً أن يأمر بشن هجوم واسع النطاق آخر على إيران قبل الانتخابات".
وقال: "ابتداءً من منتصف نوفمبر أو أواخره، قد تشهد المنطقة موجة كبرى من الضربات الرامية إلى تعزيز الأجندة الأمريكية"، مضيفاً أن الهدف سيكون إضعاف الحرس الثوري بما يكفي لدفعه نحو اتفاق وفق الشروط الأمريكية.
وأياً كانت نتائج الانتخابات، أكد موسغريف أنها "لن تغير الكثير على المدى القريب".
وأوضح أن فوزاً جمهورياً قوياً قد يشجع على اتباع أساليب أكثر عدوانية، في حين أن فوزاً ديمقراطياً قد يدفع ترامب إلى إظهار صلاحياته الأحادية، بما في ذلك اللجوء إلى الضربات العسكرية.
وقد سبق أن تناولت السيناريو المحتمل لانقلاب لعبة تغيير النظام في تحليلي السابق الذهب يواجه مزيداً من الخسائر مع استعداد المتداولين لتصعيد محتمل مع إيران.
***
إخلاء المسؤولية: يُنصح القراء باتخاذ أي مركز على مسؤوليتهم الخاصة، إذ يستند هذا التحليل إلى الملاحظات فحسب.










