مؤشر داو جونز يتجاوز 50,000 للمرة الأولى مع ارتفاع أسهم الشركات الكبرى
الجمارك الأمريكية... رصاصة جديدة في قلب التبادل العالمي
في زمن تزداد فيه الأصوات الداعية إلى الانغلاق والانكفاء الاقتصادي، أطلقت الولايات المتحدة رصاصة جديدة صوب شركائها التجاريين عبر فرض رسوم جمركية جديدة تطال واردات من مختلف أنحاء العالم، لم تكن الدول العربية بمنأى عنها. وبينما تبرر واشنطن خطواتها باعتبارات الأمن القومي والمصلحة الاقتصادية، فإن تداعيات هذه السياسة تتجاوز أوراق التعريفات لتطال عمق بنية التجارة العربية الأميركية.
لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) دقّت ناقوس الخطر بوضوح، مشيرة إلى أن الرسوم الجمركية الأخيرة تهدد صادرات عربية غير نفطية تبلغ قيمتها 22 مليار دولار. وفي خلفية هذا الرقم، تقف صناعات ناشئة واقتصادات تسعى جاهدة إلى التنفس خارج رئة النفط.
من 91 إلى 48 ملياراً... انحسار العلاقات وتحوّل البوصلة
في عام 2013، بلغت الصادرات العربية إلى الولايات المتحدة ذروتها عند 91 مليار دولار، وهو رقم يعكس علاقة تجارية متينة تشكّلت لعقود، وتركزت في مجملها حول النفط والغاز. إلا أن هذه العلاقة بدأت بالتآكل، وتراجعت الصادرات إلى 48 مليار دولار فقط بحلول عام 2024، ما يعادل 3.5% فقط من مجمل صادرات المنطقة.
أحد أبرز أسباب هذا التراجع يعود إلى تحوّل الولايات المتحدة إلى لاعب مستقل في سوق الطاقة بفضل ثورة النفط الصخري، التي قلّصت اعتمادها على واردات النفط العربي. بذلك، تراجعت الهيمنة النفطية العربية في السوق الأمريكية، ولكن شيئاً آخر كان يولد في صمت: الصادرات غير النفطية.
غير النفط... قفزة نوعية في صمت
رغم تراجع الإجمالي، سجّلت الصادرات غير النفطية العربية إلى الولايات المتحدة قفزة نوعية، ارتفعت من 14 مليار دولار في 2013 إلى 22 مليار دولار في 2024. هذا التحول الصامت يعكس تحركات تنموية وجهودًا نحو تنويع القاعدة الاقتصادية العربية، لا سيما في قطاعات الصناعة الخفيفة، الألمنيوم، الكيماويات، النسيج، والأغذية المصنعة.
لكن هذه المكاسب الناشئة الآن على المحك. فإجراءات واشنطن الحمائية لا تفرّق بين منتج ناشئ ومنتج مهيمن، ولا تعترف باختلاف مراحل التطور الاقتصادي بين الدول. الكل يدفع الثمن نفسه، ولكن ليس الجميع يملك الوسائل ذاتها للصمود.
من الأكثر تضرراً؟ خارطة الانكشاف العربي
بحسب الإسكوا، تتصدر دول مثل الأردن، البحرين، مصر، لبنان، المغرب، وتونس قائمة المتضررين المحتملين من الرسوم الجديدة. والأردن يأتي في الواجهة؛ إذ تصدّر نحو ربع صادراته الإجمالية إلى الولايات المتحدة. هذا الاعتماد الكبير يجعله في موقع اقتصادي هش، يتهدده أي تغيير في شروط الدخول إلى السوق الأمريكية.
البحرين بدورها تواجه ضغوطًا كبيرة نتيجة تركّز صادراتها إلى واشنطن في الألمنيوم والمواد الكيماوية، وهما من أكثر القطاعات استهدافًا بالرسوم. الإمارات أيضاً في موقف دقيق، حيث تعتمد على دورها كمركز لإعادة التصدير، ما يعرّضها لخسائر محتملة تفوق 10 مليارات دولار، خاصة إن فُرضت رسوم إضافية على السلع المعاد تصديرها.
الخليج بين المطرقة والسندان
في دول الخليج، تزداد المعادلة تعقيدًا. من جهة، تواجه هذه الدول انخفاضًا مستمرًا في أسعار النفط ما يؤثر سلبًا على موازناتها. ومن جهة أخرى، تأتي الرسوم الأمريكية لتزيد العبء على اقتصادات تسعى لتوسيع نطاق صناعاتها غير النفطية وتصديرها إلى أسواق عالمية.
تواجه هذه الدول الآن مفترق طرق: إما الاستمرار في الاعتماد على الريع النفطي مع كل تقلباته، أو تسريع مسارات التنويع الاقتصادي الحقيقي، حتى وإن تطلب ذلك تفكيك بعض البنى التقليدية واعتماد شراكات جديدة تتجاوز المحور الأمريكي.
الضغوط المالية... فاتورة السيادة والسياسات
الأثر لا يقتصر على التجارة المباشرة فحسب. فسياسات الحماية الأمريكية، وما تثيره من اضطرابات في أسواق المال، تؤثر على تكاليف الاقتراض الخارجي للدول العربية. وتشير تقديرات الإسكوا إلى أن دولاً مثل مصر، الأردن، المغرب، وتونس ستتكبد فوائد إضافية على ديونها السيادية تُقدّر بـ114 مليون دولار في عام واحد فقط.
هذا المبلغ لا يُستهان به في ميزانيات مثقلة أصلاً بالأعباء. وبدلاً من توجيهه إلى التعليم أو الرعاية الصحية أو البنية التحتية، سيذهب إلى خدمة الديون، ما يفتح الباب أمام أسئلة مؤلمة حول العدالة المالية في النظام الاقتصادي العالمي.
أزمة... أم فرصة؟
رغم قسوة الواقع، فإن الإسكوا لا ترى في الأزمة مجرد تهديد، بل فرصة لإعادة التفكير جذرياً في البنية الاقتصادية العربية. كما قالت الأمينة التنفيذية رولا دشتي: "المنطقة تقف عند مفترق طرق اقتصادي حاسم".
تأمل الإسكوا أن تدفع هذه التحديات الدول العربية نحو بناء اقتصادات أكثر مرونة وتكاملاً. إن الضغط يولد التحول أحيانًا، بشرط أن يكون هناك إدراك سياسي واضح، وإرادة صلبة للانتقال من ردّ الفعل إلى الفعل.
نحو مشروع اقتصادي عربي جديد
هذه الأزمة تفرض على العالم العربي مراجعة جذرية لعلاقاته الاقتصادية الخارجية، وتدعو إلى إعادة تعريف موقعه في سلاسل التوريد العالمية. نحن بحاجة إلى مشروع اقتصادي عربي متكامل، يقوم على الإنتاج لا الاستهلاك، وعلى الشراكة لا التبعية.
الاستثمار في التكامل الصناعي، والتكنولوجيا، والتعليم التقني، وربط الأسواق العربية ببعضها البعض، أصبح ضرورة استراتيجية وليس خياراً رفاهياً. آن الأوان لامتلاك القوة الذاتية التي تُجنّب اقتصاداتنا الارتجاج مع كل قرار يصدر من عاصمة كبرى.
ما بعد العاصفة... هل نبقى على الهامش؟
التاريخ لا يرحم الأمم التي تنتظر أن تصوغها قرارات الآخرين. والاقتصاد لا يحتمل التردد. نحن الآن أمام اختبار مصيري: إما أن ننهض بمشروع متكامل يعيد تشكيل العلاقة بين الدول العربية والأسواق العالمية، أو نستمر في التقلب بين الأزمات والفرص الضائعة.
لن تكون الرحلة سهلة، لكنها ضرورية. فالعالم يتغير، ومن لا يتغيّر معه يصبح جزءاً من الماضي.
