مؤشر داو جونز يتجاوز 50,000 للمرة الأولى مع ارتفاع أسهم الشركات الكبرى
بين رياح الحروب التجارية وتقلّبات أسواق الطاقة، وتباطؤ الإصلاحات الهيكلية في بعض الاقتصادات الإقليمية، يبرز تقرير صندوق النقد الدولي الأخير كخريطة طريق دقيقة ترصد نبض الاقتصاد الكلي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتضع دول الخليج في واجهة المشهد العالمي، لا باعتبارها مجرد مصدر رئيس للطاقة، بل كلاعب رئيس في تحولات الاقتصاد الجديد.
في هذا التقرير الذي صدر من دبي، العاصمة المالية التي باتت شرياناً للمنطقة كلها، ألقى صندوق النقد الدولي ضوءاً كثيفاً على مفارقة جوهرية: الاقتصاد غير النفطي الخليجي ينمو بإيقاع قوي، بينما تباطأت معدلات النمو العامة على وقع تخفيضات "أوبك بلس" واضطراب الطلب العالمي.
ورغم أن تقارير الاقتصاد لا تُقرأ عادة بشغف الروايات ولا بتوتر نشرات الأخبار، إلا أن هذا التقرير بالذات أشبه بورقة تحذير مبكر من ربيع اقتصادي قد لا يكتمل، إن لم تُحسن المنطقة استثمار مكاسبها الهيكلية، وتُسرّع من إيقاع تنويعها الاقتصادي قبل أن تداهمها موجات الركود القادمة من الشرق والغرب.
نمو خليجي قوي... لكنه أدنى من التوقعات
بحسب الصندوق، من المتوقع أن يبلغ متوسط النمو في دول مجلس التعاون الخليجي نحو 3% خلال عام 2025، بعد أن كانت التوقعات السابقة تشير إلى نمو بواقع 4.2%، وهو تراجع لا يُستهان به في الأرقام الاقتصادية، لا سيما حين يترافق مع خفض موازٍ في توقعات النمو الإقليمي والعالمي.
وهنا لا بد من التوقف عند مكوّنات هذا النمو. فقد أشار التقرير بوضوح إلى أن الأنشطة غير النفطية، وليس صادرات الخام، هي التي ساهمت في تعزيز النمو مؤخراً، وهو ما يعبّر عن نجاح مبدئي للاستراتيجيات الوطنية للتحول الاقتصادي، مثل رؤية السعودية 2030، وخطط الإمارات في السياحة والخدمات اللوجستية والتصنيع.
إلا أن التباطؤ النسبي في هذا النمو يعكس هشاشة بعض الدعائم التي تقوم عليها تلك التحولات، وخاصة ما يتعلق بتذبذب أسعار الطاقة، وتباطؤ تدفق الاستثمارات الأجنبية نتيجة الغموض العالمي، وتراجع معدلات الطلب في كبرى الأسواق المستهلكة.
السعودية والإمارات في الصدارة... مع تحديات مستترة
في التفاصيل، يتوقع الصندوق أن ينمو الاقتصاد السعودي بنسبة 3% في 2025 و3.7% في 2026، بينما يُنتظر أن تحقق الإمارات نمواً بواقع 4% و5% على التوالي في نفس العامين.
هذه الأرقام، رغم أنها قوية نسبياً مقارنة ببقية الاقتصادات الإقليمية، إلا أنها أدنى من طموحات الخطط التنموية المعلنة في البلدين، والتي تستهدف خلق اقتصاد متنوع قادر على المنافسة العالمية في قطاعات مثل التكنولوجيا، والطاقة المتجددة، والخدمات الرقمية.
والسؤال الجوهري هنا: هل تُعد هذه النسب كافية لتأمين فرص عمل كافية للجيل الشاب، وتحقيق توازن مالي مستدام بعيداً عن تقلبات أسعار النفط؟
الكويت وعُمان وقطر: تفاوت في الأداء... ووحدة في التحدي
توقعات النمو للاقتصاد الكويتي جاءت أكثر تواضعاً، إذ أشار التقرير إلى نمو بـ1.9% فقط في 2025، قبل أن يتحسن إلى 3.1% في العام التالي. وهو ما يُشير إلى الحاجة الملحة لتعزيز إصلاحات سوق العمل، وخلق بيئة أعمال أكثر جاذبية، وتحقيق الانسجام بين السياسات المالية والنقدية.
أما عمان وقطر، فقد حافظتا على نمو إيجابي مدعوم بقطاعات مثل الغاز الطبيعي والسياحة والخدمات المالية، لكنهما لا تزالان بحاجة إلى تسريع إصلاحات هيكلية طويلة الأمد في أسواق الاستثمار والتعليم وتكنولوجيا المعلومات.
الاقتصادات غير الخليجية... نزيف تحت رماد الأزمات
من الجانب الآخر من المشهد، تبدو الصورة أكثر قتامة لدى الدول المصدّرة للنفط من خارج مجلس التعاون، حيث يتوقع الصندوق أن يتراجع النمو فيها بنقطة مئوية كاملة خلال 2025، قبل أن يبدأ تعافٍ "متواضع" في 2026. ويُعزى هذا التراجع إلى عدة عوامل متشابكة: ضعف البنى التحتية المالية، تأخر الإصلاحات، وتداعيات الحروب الطويلة.
وفي مصر على وجه الخصوص، التي تُعد ثاني أكبر اقتصاد عربي، توقّع التقرير نمواً بواقع 3.8% في 2025 و4.3% في 2026، وهي أرقام جيدة على الورق، لكنها غير كافية لتغطية الفجوة بين الموارد والاحتياجات المتصاعدة، خاصة في ظل الضغوط التضخمية، وارتفاع كلفة خدمة الدين، وتأخر بعض الإصلاحات الجوهرية.
حروب تجارية وهزّات جيوسياسية
من بين أكثر النقاط أهمية في تقرير الصندوق، تحذيره من تداعيات الحرب التجارية المتصاعدة على الطلب العالمي، وتأثيرها غير المباشر على اقتصادات المنطقة. ورغم أن التكامل التجاري بين دول الشرق الأوسط والولايات المتحدة محدود نسبياً، إلا أن أية صدمة في التجارة العالمية من شأنها أن تُلقي بظلالها على أسعار النفط، وسلاسل الإمداد، وحركة رؤوس الأموال.
كما أشار التقرير إلى حالة "الضبابية" التي تسود الأسواق، بسبب تداخل التوترات الجيوسياسية في عدة مناطق، من الشرق الأوسط إلى شرق آسيا، ما يدفع المستثمرين إلى تجنّب المخاطرة، ويؤجل العديد من القرارات الاستثمارية الكبرى.
صندوق النقد: التوصيات واضحة، والفرص قائمة
رغم الصورة القاتمة في بعض الزوايا، إلا أن الرسائل الإيجابية لم تغب عن تقرير "آفاق الاقتصاد الإقليمي". فقد شدد الصندوق على أهمية تسريع الإصلاحات الهيكلية، وتحسين الإنتاجية، وتنويع الشركاء التجاريين، كأدوات حقيقية لتحصين اقتصادات المنطقة من الأزمات القادمة.
كما أشار جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق، إلى ضرورة بناء شراكات تجارية جديدة، والبحث عن أسواق بديلة في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، وتوسيع آفاق التجارة البينية بين الدول العربية، خاصة في قطاعات مثل الزراعة، والخدمات المالية، والرقمنة.
المنطقة في مفترق طرق... والمستقبل بيد من يجرؤ
في النهاية، يُمكن القول إن تقرير صندوق النقد الدولي ليس مجرد وثيقة فنية موجهة لصنّاع القرار، بل هو نداء مبكر لحكومات المنطقة، مفاده أن الزمن لا ينتظر، وأن الأسواق لا تمنح فرصاً ثانية بسهولة.
دول الخليج، بثقلها المالي ومبادراتها الطموحة، أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف موقعها في الاقتصاد العالمي، لا كمصدّر للموارد فقط، بل كصانع للثروات المعرفية، ومركز للتمويل، ومحور للتكنولوجيا، وميناء للاستقرار.
أما الاقتصادات الأخرى، فعليها أن تدرك أن الإصلاح لا يمكن أن يكون مؤجلاً، ولا أن يظل رهناً بمواسم الانتخابات أو بتغير أسعار النفط. فالعالم يتغير بسرعة، ومن لا يُواكب سيُقصى، ليس من جداول النمو فقط، بل من خرائط الاستثمار والأمل.
إن عام 2025 لن يكون عاماً عادياً، بل لحظة مفصلية في تاريخ اقتصاد المنطقة. وقد يكون أحد أعوام "التحوّل الكبير" الذي يُكتب في كتب الاقتصاد بعد عقود. فهل نكون من صنّاعه... أم من ضحاياه؟
