النفط عند مفترق الطرق

تم النشر 06/05/2025, 20:05

منْ كان يظن أن برميل النفط، الذي ارتفعتْ أسعاره إلى ما فوق 130 دولارًا قبل أقل من ثلاث سنوات، سيجدَ نفسه في خضم عاصفة جديدة من الهبوط، مدفوعًا لا بانكماش الطلب وحده، بل بفوضى مزيج من قرارات جيوسياسية، وخيارات إنتاجية مفاجئة، وتوترات تجارية عابرة للقارات؟ هذا الأسبوع، اجتمعتْ عناصر العاصفة لتسقط أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2021، رغم أن العالم لم يتعافَ بعد من اختلالات السوق التي أحدثها وباء كورونا والحرب في أوكرانيا.

في جلسة الثلاثاء، الموافق السادس من مايو 2025، استردتْ أسعار النفط أنفاسها بصعوبة بعد تدهور حاد في الجلسة السابقة، حيث صعدَ خام برنت عشرة سنتات ليصل إلى 60.33 دولارًا للبرميل، بينما ارتفعَ خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنفس المقدار، ليستقر عند 57.23 دولارًا للبرميل. هذا التعافي الطفيف لا يُخفي الحقيقة المؤلمة: النفط يترنحُ عند قاع غير مسبوق منذ شباط/فبراير 2021.

تقفُ وراء هذا الانخفاض الحاد قرارات جريئة صدرتْ عن تحالف "أوبك+"، الذي اتخذَ خطوة مفاجئة نهاية الأسبوع الماضي، حين أعلنَ تسريع وتيرة زيادة الإنتاج للمرة الثانية على التوالي. ووفقًا للاتفاق الجديد، سيتمُ رفع الإنتاج خلال شهر حزيران بمقدار 411 ألف برميل يوميًا، ما يرفعُ مجمل الزيادات المقررة للأشهر الثلاثة (أبريل، مايو، يونيو) إلى 960 ألف برميل يوميًا. وبهذا، تكونُ المجموعة قد خففت نحو 44% من التخفيضات التي التزمتْ بها منذ عام 2022، والتي بلغتْ حينها 2.2 مليون برميل يوميًا.

قدْ يبدو هذا الرقم "محاسبيًا" للوهلة الأولى، لكنه في ميزان السوق له وقع ثقيل. في عالم يعاني من تباطؤ اقتصادي، وتراجع وتيرة الطلب، وخوف متزايد من سياسات حمائية جديدة تتزعمها الولايات المتحدة، فإن ضخ ما يقرب من مليون برميل إضافي يوميًا لا يمكن اعتباره سوى مقامرة مكشوفة بمستقبل التوازن السعري.

تتأرجحُ أوبك+ بين الالتزام والانفلات.

لمّحتْ الرسالة التي وجهها تحالف أوبك+ عبر هذا القرار إلى أكثر من معنى. فالمصادر المطلعة داخل أروقة المنظمة، بحسب رويترز، لمّحتْ إلى أن التحالف قد يتجهَ نحو إلغاء التخفيضات الطوعية بشكل كامل مع نهاية أكتوبر المقبل، إذا لم يتحسنْ مستوى التزام الدول الأعضاء بحصصها الإنتاجية. هذا التلميح لم يمرَّ مرور الكرام في الأسواق، إذ فُسّرَ على أنه بداية تصدع في الجبهة الداخلية للتحالف، وعودة ممكنة لمرحلة من "فوضى الحصص" التي شهدها العالم في أوائل العقد الماضي، وأدتْ حينها إلى هبوط حاد في الأسعار.

بينما تحاولُ أوبك+ تقديم هذه الزيادة كخطوة مدروسة للاستجابة لحاجة السوق، يرى مراقبون أنها أقرب إلى استعراض عضلات إنتاجية في وجه المنافسين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، التي لا تزال تلعبُ دورًا أساسيًا في سوق النفط من خلال طفرة إنتاجها من النفط الصخري.

النفط الصخري الأميركي: على حافة الانكسار؟

ربما لم تأتِ إشارات الضعف من الأسواق وحدها، بل صدرتْ من قلب الصناعة الأميركية نفسها. شركة "دايموند باك إنرجي"، أحد عمالقة إنتاج النفط الصخري، أعلنتْ يوم الاثنين خفض توقعاتها لإنتاج 2025، وأرجعتِ القرار إلى "نقطة تحول" بلغها القطاع بسبب الضبابية الاقتصادية العالمية وتزايد إمدادات أوبك+. إنها ليست مجرد مراجعة تقنية، بل إعلان غير مباشر بأن قدرة النفط الصخري على مجاراة المنافسة باتتْ على المحك.

ترامب يعودُ... ومعه معركة الرسوم.

في واشنطن، تتجهُ العاصفة إلى مستوى أعلى من التصعيد. ففي أول أيام الأسبوع، خرجَ وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بتصريحات صاخبة، مدافعًا عن خطط إدارة الرئيس دونالد ترامب لإعادة فرض الرسوم الجمركية على الواردات، وتطبيق حزمة جديدة من التخفيضات الضريبية، وإلغاء قيود تنظيمية تعودُ إلى الحقبة الديمقراطية. وبحسب بيسنت، فإن هذه السياسات ستعملُ على "تعزيز الاستثمار طويل الأجل" و"تحصين الأسواق الأميركية ضد أي هشاشة".

هذه التصريحات، وإن بدتْ منمقة، إلا أنها أثارتْ قلق المستثمرين العالميين بشأن مصير التجارة الدولية، خاصة في ظل حديث مستتر عن إمكانية فرض رسوم جديدة على واردات الطاقة أو مكوناتها. مثل هذه السياسات تُعيدُ إلى الأذهان صدى الحرب التجارية بين واشنطن وبكين عام 2018، والتي دفعتْ الأسواق حينها إلى موجات هبوط عنيفة.

الاحتياطي الفيدرالي يترقّبُ.

في هذا السياق المتوتر، ينعقدُ مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) الأربعاء وسط توقعات شبه إجماعية بعدم تحريك أسعار الفائدة، على الأقل مؤقتًا. فالمركزي الأميركي، الذي كان يُخططُ لتيسير نقدي تدريجي، يجدُ نفسه اليوم محاطًا بعدم اليقين، ومطالبًا بالتعامل مع انعكاسات مباشرة للسياسات الجمركية على مؤشرات الاقتصاد الكلي، خاصة في قطاعي الصناعة والطاقة.

بنوك الاستثمار تدقُّ ناقوس الخطر.

فيما تترددُ أصداء هذه الأحداث المتلاحقة، أعلنتْ مؤسسة "باركليز (LON:BARC)" مراجعة جذرية لتوقعاتها لسعر خام برنت. فقد خفضتْ توقعاتها لعام 2025 بمقدار أربعة دولارات، لتستقر عند 70 دولارًا للبرميل، فيما توقعتْ أن يُواصلَ السعر هبوطه ليبلغ 62 دولارًا في عام 2026. المبررات لم تكن فنية بحتة، بل شملتْ في جوهرها "صعوبات تُواجهها العوامل الأساسية" في السوق، في ظل تصاعد التوترات التجارية وتغيير تحالف أوبك+ لنهجه التقليدي.

سوق مشوش... ورؤية ضبابية.

يوحي المشهد الحالي بأننا أمام تحوّل حقيقي في ديناميات سوق النفط العالمية. ما كان في السابق سوقًا تحكمه قواعد العرض والطلب، باتَ اليوم رهينة لقرارات سياسية غير متوقعة، وتغيرات اقتصادية غير مستقرة. التداخل بين سياسات الإنتاج في الشرق الأوسط، والتوجهات الحمائية في الغرب، وأداء الاقتصاد العالمي، يجعلُ من الصعب على أي مستثمر أو صانع قرار أن يرسمَ سيناريو واضحًا للمستقبل.

يزيدُ من خطورة الوضع هو أن العودة إلى زمن "النفط الرخيص" لم تعدْ نعمة تُلقى بالترحاب، كما كانت في العقود السابقة. ففي عالم تنتقلُ فيه الاقتصادات نحو الطاقة المتجددة، وتُواجهُ الحكومات أعباء تضخمية، فإن انخفاض الأسعار قد يعني انكماش استثمارات الطاقة التقليدية، وزيادة البطالة في القطاعات المرتبطة، وتعميق أزمة الإنفاق الحكومي في الدول المعتمدة على العائدات النفطية.

هل من بوصلة لإنقاذ السوق؟

تكرهُ الأسواق لا الانخفاضات وحدها، بل تكرهُ الغموض أكثر. والمرحلة التي نعيشها الآن تتسمُ بغموض مركب: سياسي، واقتصادي، ومؤسسي. العودة إلى لغة التعاون داخل أوبك+، وخلق آلية تفاهم دولية بين المنتجين والمستهلكين، قد تكونَ المفتاح الوحيد لوقف هذا الانحدار، واستعادة شيء من التوازن.

لكن إلى أن يحدثَ ذلك، ستبقى الأسواق قلقة، والمستثمرون مترددين، والبرميل حائرًا بين قرارات سياسية من فوق، وتغيرات اقتصادية من تحت. وبين هذا وذاك، يظلُ السؤال الأهم: هل ستظلُ الطاقة رهينة تقلبات المصالح، أم آن أوان بناء نظام عالمي أكثر شفافية وعدلاً واستقرارًا؟

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.