عاجل: صدور بيانات هامة متعلقة بسوق العمل الأمريكية.. والأسواق تتفاعل
مع شمس نهاية شهر تموز/يوليو 2025 على وشك الغروب، نلتفت اليوم – مع باقي الأسواق العالمية – إلى المعدن الأصفر الذي كان أحد أبرز ساحات الاحتجاجات المالية على مدار العام. في غضون الأشهر الماضية، ارتفع الذهب بنسبة تجاوزت 25 % منذ بداية العام، مدفوعاً بتضخم أمريكي مستمر، بالإضافة إلى توترات تجارية وجيوسياسية لا تزال تتسع نطاقًا.
في خضم اضطراب المشهد الاقتصادي العالمي، ومع استمرار تشوهات السياسة النقدية، يعود الذهب إلى واجهة الاهتمام كملاذ استراتيجي لا غنى عنه. بيانات مؤشر أسعار المستهلك الأمريكي (CPI) لشهر يوليو فاقت التوقعات، لتزيد من تعقيد حسابات الفيدرالي الأمريكي، وتبعد فرضيات خفض الفائدة الفوري، مما عزّز جاذبية الذهب كتحوّط أساسي ضد التضخم المستمر وخيبات السياسة النقدية.
التوترات التجارية المتصاعدة – التي شهدت مؤخرًا انفراجة جزئية بعد إعلان إدارة ترامب عن اتفاق مبدئي مع الاتحاد الأوروبي – لا تزال تلقي بظلالها على الأسواق، خاصة مع غموض التفاصيل النهائية للصفقة، واستمرار تهديدات الرسوم على قطاعات حيوية مثل الأدوية. وعلى الرغم من أن هذا الاتفاق خفف من حدة التوتر اللحظي، فإن المخاوف الجيوسياسية الأشمل، إلى جانب استمرار النزاعات في آسيا، تبقي الذهب في موقعه كأصل آمن لا غنى عنه.. في ذات الوقت، تستمر البنوك المركزية – لا سيما من آسيا والشرق الأوسط – بتكديس الذهب كاحتياطي موثوق، الأمر الذي يدعم الطلب الفعلي ويُحد من مخاطر الانهيارات السريعة في السعر.
أما على الصعيد الفني، فإن الذهب يتحرك ضمن نطاق عرضي واسع بحدود تقلب تبلغ حوالي 300 دولار، مع مقاومة عنيفة عند مستويات 3,500 دولار ودعم هيكلي متماسك عند 3,200 دولار. بعض التوقعات المتفائلة – وعلى رأسها J.P. Morgan – تشير إلى إمكانية بلوغ الذهب 3,675 وحتى 4,000 دولار بحلول منتصف 2026، بينما تحذر تحليلات HSBC من احتمال تصحيح سعري قصير المدى نحو نطاق 3,215–3,125 دولار، خاصة في ظل تباطؤ الطلب الصناعي وآثار تأجيل الفائدة.
هذا التوازن الدقيق بين زخم الصعود وضغوط التصحيح، يجعل من تحليل المرحلة الراهنة أداة بالغة الأهمية للمستثمرين والمضاربين، لفهم الاتجاه التالي وتحديد استراتيجيات التعامل معه بوعي واحترافية.
التحليل الأساسي المعمق: الذهب في مرآة الاقتصاد الكلي
في ظل التداخل المعقّد بين السياسة النقدية العالمية، وموجات التضخم المزمن، وتغير خارطة الاقتصاد الجيوسياسي، كان من الطبيعي أن يبرز الذهب كأداة استراتيجية تحت المجهر من قبل المستثمرين والبنوك المركزية على حدّ سواء.
البيانات التضخمية الأخيرة – لا سيما في الولايات المتحدة وأوروبا – أجهضت التوقعات بتيسير نقدي سريع. الفيدرالي الأمريكي أبدى تحفظًا واضحًا تجاه خفض أسعار الفائدة، خاصة بعد ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك على أساس شهري، وهو ما تجاوز متوسط التوقعات. هذه التطورات أبقت الذهب في موقعه كأداة تحوط رئيسية، خاصة مع عودة الفائدة الحقيقية إلى المنطقة السالبة .
وعلى الرغم من تماسك مؤشر الدولار الأمريكي (DXY)، إلا أن حالة الضبابية في الأسواق وتذبذب عوائد السندات طويلة الأجل يضعفان هيمنة الدولار نسبياً، مما يفتح المجال أمام الذهب لتوسيع مكاسبه دون مقاومة كبيرة من العملة الأمريكية.
كما تواصل البنوك المركزية العالمية، بقيادة الصين والهند وتركيا، عمليات شراء الذهب بوتيرة منتظمة، في محاولة لتنويع الاحتياطيات بعيداً عن الدولار. هذا السلوك يُسهم في رفع الطلب الفعلي على الذهب، ويلعب دوراً محورياً في تقليل احتمالات الانهيارات المفاجئة في السعر، عبر خلق نوع من "الطلب المؤسسي" طويل الأمد، يصعب كسره بسهولة. في النصف الأول من 2025 وحده، سجلت مبيعات الذهب من قبل البنوك المركزية أعلى وتيرة نصف سنوية منذ عام 1967.
والتصعيد الأخير في العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، والاضطرابات المستمرة في مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي، كلها عناصر زادت من وتيرة القلق العالمي، ما جعل الذهب الوجهة الأولى لرؤوس الأموال الباحثة عن الأمان والاستقرار.
أيضاً في المقابل، يعاني الطلب الصناعي والطلب على المجوهرات من تباطؤ واضح، خاصة في الأسواق النامية مثل الهند وتركيا، بسبب ضعف القوة الشرائية وارتفاع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة. هذا يشكّل عامل ضغط جزئي على الجانب الصعودي، وقد يُستخدم كورقة لتبرير التصحيحات قصيرة المدى.
ما الذي يمكن أن يحرك الذهب في الأشهر القادمة؟..نظرة مستقبلية للأسعار والفرص بناءً على المعطيات الفنية
الذهب يقف عند مفترق طرق دقيق، وقد تكون التحركات القادمة حاسمة في تحديد الاتجاه طويل المدى، خاصة بعد أن شكّل نمط تماسك قوي عند المستويات المرتفعة. الرسم البياني الشهري أدناه يعكس حالة "انتظار انفجار سعري" مرتقب، وفيما يلي تحليل شامل لأبرز المؤشرات الفنية وملامح الهيكل السعري على المدى المتوسط إلى الطويل.
1. الاتجاه العام: صعود واضح… ولكن بوتيرة أبطأ
على الإطار الشهري، يظهر أن الذهب ما يزال يتحرك في قناة صاعدة طويلة المدى بدأت منذ أواخر 2022، مع تسجيل قمم متصاعدة بوضوح. الشموع الشهرية الأخيرة تُظهر نوعًا من التردد أعلى مستويات 3,300–3,350 دولار، لكنها لا تزال تُغلق ضمن نطاق صاعد، مما يدل على تماسك السوق بالرغم من ضعف الزخم النسبي.

2. مؤشر إيشيموكو: دعم إيجابي من السحابة ومستويات كيجن-سن
-
السحابة المستقبلية (Kumo) لا تزالصاعدة ومتوسعة، ما يعني أن الاتجاه طويل المدى يحتفظ بقوته حتى نهاية 2025.
-
السعر فوق كل من خطيالكيجن-سن (الأحمر) والتينكان-سن (الأزرق)، ما يشير إلى بقاء الزخم الصاعد نشطًا، رغم التباطؤ الحالي.
-
الخط الأخضر (Chikou Span) أيضًا فوق السعر، وهو تأكيد إضافي لاستمرارية الاتجاه الصاعد.
3. مؤشر القوة النسبية (RSI)
مؤشر RSI عند 61، أي لا يزال في المنطقة الإيجابية، لكن دون تشبع شرائي. هذا يدل على أن السوق لم يفقد قوته بعد، ولكن هناك تباطؤ في الزخم، وهو ما ينعكس أيضًا في التماسك الأفقي الأخير في السعر. ظهور إشارات "BEAR" على RSI كما في المخطط يوحي باحتمال تصحيحات عرضية مؤقتة.
4. مستويات الدعم والمقاومة المحورية:
-
الدعم الشهري القوي: 3,200 – 3,150 دولار
-
المقاومة المباشرة: 3,375 – 3,400 دولار (قمم أبريل ومايو 2025)
-
الهدف الفني في حال الاختراق: 3,500 – 3,675 دولار
سيناريوهات الحركة القادمة
سيناريو صعودي وارد:إذا حافظ السعر على تماسكه فوق مستوى 3,200 دولار و3300 دولار ، وبدأت مؤشرات الزخم بالصعود مجددًا، فقد نشهد اختراقًا واضحًا للمقاومة عند 3,375 دولار، مما يفتح الباب نحو 3,500 ثم 3,675 وربما أعلى، خاصة إذا جاءت البيانات التضخمية القادمة أعلى من المتوقع أو دخلت البنوك المركزية في موجة شراء جديدة. سيناريو تصحيحي:في حال أي كسر سعري لمستوى 3,200 دولار بشمعة شهرية حاسمة، فالسوق قد يعيد اختبار منطقة 3,125 – 3,050 دولار “ أستبعدها لكنني أتكلم من ”ناحية فنية وقد لا يجاريها التحليل الأساسي فيما يتعلق بالذهب بشكل خاص". هذه الحركة لا تعني نهاية الاتجاه الصاعد، بل مجرد تصحيح ضمن نطاق صحي، قبل العودة للارتفاع.
ختاماً .. في ضوء التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية المتلاحقة، يبقى الذهب حجر الزاوية في محفظة المستثمرين الباحثين عن الاستقرار وسط الفوضى. إن المرحلة الراهنة تحمل في طياتها إشارات قوية على إمكانية انطلاق تحركات سعرية كبرى، تُعيد تعريف دور المعدن الأصفر ليس فقط كملاذ آمن، بل كرافعة استراتيجية في مواجهة الأزمات النقدية والتقلبات العالمية.
ومع هذا المشهد المعقد، يتعين على المستثمرين والمحللين تبني نهج متوازن يجمع بين الرؤية الفنية الدقيقة والفهم العميق للعوامل الاقتصادية الكلية، ليتمكنوا من استشراف فرص الربح المحتملة وتجنب مخاطر التصحيح المؤقتة.
إن متابعة تطورات الذهب عبارة عن قراءة مستمرة لنبض الاقتصاد العالمي وتفاعلاته. ومن هذا المنطلق، أدعوكم للانضمام إلى قناتي الجديدة على تلغرام عبر الرابط t.me/Athraahamzah، حيث أُقدم تحليلات متجددة ومعلومات معمقة تغطي كافة جوانب الأسواق والذهب تحديداً، لتكونوا على اطلاع مباشر يدعم قراراتكم الاستثمارية.
كل ما ذكر في هذا المقال يعبر عن رأي شخصي... قابل للصواب وقابل للخطأ.
تحليلات ودراسات السوق مقدمة من "عذراء حمزة" المديرة التنفيذية لمجموعة MASS GROUP للاستثمار والتمويل.
