توقعات بنك استثماري: الذهب من 4,600 إلى 6,000 دولار
في ظل ترقّب الأسواق العالمية لاجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي اليوم، يتصدّر مشهد السياسة النقدية من جديد واجهة النقاشات الاقتصادية، خصوصًا في ظل مفترق طرق حساس يتطلب الموازنة الدقيقة بين مكافحة التضخم والحفاظ على زخم النمو.
أولًا: موقع الفائدة في هندسة السياسة النقدية
منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، أصبحت أداة سعر الفائدة هي الأداة الأكثر فاعلية للفيدرالي في ضبط إيقاع الاقتصاد. وتكمن وظيفتها الجوهرية في التأثير على تكلفة الائتمان، وبالتالي على قرارات الاستثمار والاستهلاك.
رفع الفائدة يعني تشديدًا نقديًا يهدف لكبح التضخم، بينما الخفض يسعى لتحفيز الاقتصاد عبر تشجيع الاقتراض والإنفاق. لكن في كلتا الحالتين، القرار لا يُتخذ بمعزل عن اعتبارات متعددة: بيانات التوظيف، مستويات الأجور، مؤشرات الإنفاق، والمخاطر الجيوسياسية العالمية.
ثانيًا: هل يواجه الفيدرالي مأزقًا مزدوجًا؟
الفيدرالي اليوم في موقف بالغ التعقيد:
-
التضخم لا يزال فوق المستهدف (2%) رغم تباطؤه النسبي.
سوق العمل متماسك، لكن هناك إشارات أولية على التباطؤ.
الأسواق المالية حساسة لأي إشارة تُفسَّر كتغيير في المسار.
أي تحرّك سريع أو غير محسوب، سواء بالتثبيت أو الخفض، قد يزعزع استقرار الأسواق أو يعمّق المخاوف من ركود تضخمي.
ثالثًا: استقلالية الفيدرالي… واقع أم شعار؟
منذ تأسيسه في عام 1913، يتمتع مجلس الاحتياطي الفيدرالي باستقلالية قانونية وفنية تمنحه حرية اتخاذ قراراته بمعزل عن السلطة التنفيذية. لكن تاريخ العلاقة بين الفيدرالي والبيت الأبيض لم يكن دائمًا سلسًا.
في عهد الرئيس دونالد ترامب، وُضعت هذه الاستقلالية على المحك، حيث تعرض رئيس الفيدرالي جيروم باول لضغوط علنية لتخفيض الفائدة، وصلت حد التهديد بإقالته.
ومع ذلك، فإن الفيدرالي الأمريكي أظهر صلابة مؤسسية في التمسك بنموذجه القائم على "البيانات لا الضغوط السياسية"، وهو ما رسّخ مكانته عالميًا كأحد أكثر البنوك المركزية تأثيرًا واستقلالية.
رابعًا: السيناريوهات المحتملة اليوم
مع تباين المؤشرات، هناك سيناريوهين رئيسيبن مطروحة أمام صانعي القرار:
-
التثبيت الحذر: ترجيح كفة البيانات المستقرة مع الإبقاء على الفائدة دون تغيير، مع نبرة متشددة لفظيًا (hawkish pause).
المفاجأة غير المتوقعة: تخفيض استباقي في حال وجود إشارات ركود مبكرة لم تُعلن بعد.
لكن يبقى السيناريو الأرجح – وفق قراءة المؤشرات الأخيرة – هو التثبيت مع تأكيد الفيدرالي على مرونة موقفه واعتماده المستقبلي الكامل على البيانات الواردة.
خامسًا: الأسواق تبحث عن لغة الجسد
أكثر ما تترقبه الأسواق ليس القرار بحد ذاته، بل بيان الفيدرالي وتصريحات جيروم باول، فبين كل سطر وكلمة قد تُقرأ نية مبطنة أو إشارة تغيير في السياسة القادمة.
فالمستثمرون الآن في حالة "data dependency"، والفيدرالي يعكس بدوره هذه المنهجية في إدارته الحذرة للمرحلة المقبلة.
خلاصة القول:
يُعد اجتماع الفيدرالي اليوم لحظة فارقة في دورة السياسة النقدية الأمريكية، ليس فقط لآثاره المحلية، بل لتأثيره الموجي على الاقتصاد العالمي.
وفي عالم تتسارع فيه المخاطر الجيوسياسية والتقلبات الهيكلية، تبقى استقلالية الفيدرالي وصموده أمام الضغوط السياسية ضمانة أساسية لثقة الأسواق واستقرار النظام المالي العالمي
