توقعات بنك استثماري: الذهب من 4,600 إلى 6,000 دولار
الاقتصاد العالمي بين آمال النمو ومخاطر التصعيد التجاري
د. محمد جميل الشبشيري
في ظل أجواء اقتصادية عالمية تتسم بعدم اليقين، أصدر صندوق النقد الدولي في نهاية يوليو 2025 تحديثًا لتوقعاته بشأن أداء الاقتصاد العالمي خلال عامي 2025 و2026، ليعكس مزيجًا من المؤشرات الإيجابية المؤقتة والمخاطر الهيكلية المستمرة، خصوصًا مع تصاعد التوترات التجارية العالمية بقيادة السياسات الجمركية الأمريكية.
رفع محدود للتوقعات… ولكن دون العودة للمستويات التاريخية
أظهر التقرير أن الصندوق رفع توقعاته للنمو العالمي لعام 2025 بمقدار 0.2 نقطة مئوية إلى 3.0%، ولعام 2026 بمقدار 0.1 نقطة مئوية إلى 3.1%. ورغم هذه الزيادة، فإن الأرقام لا تزال أقل من متوسط النمو قبل الجائحة البالغ 3.7%، ما يعكس استمرار ضغوط بنيوية على الاقتصاد العالمي.
كما توقع التقرير انخفاض معدل التضخم العالمي إلى 4.2% في 2025 و3.6% في 2026، إلا أن التضخم في الولايات المتحدة مرشح للبقاء فوق المستويات المستهدفة نتيجة انتقال أثر الرسوم الجمركية على المستهلكين.
الرسوم الجمركية: المحرك الخفي وراء الأرقام
يشير التقرير إلى أن معدل الرسوم الجمركية الفعّال في الولايات المتحدة – أي نسبة إيرادات الرسوم إلى قيمة الواردات – بلغ 17.3% في يوليو، مقارنة بـ 2.5% فقط في يناير، وهو ارتفاع يعكس التحول الحاد في السياسة التجارية الأمريكية منذ فرض رسم شامل بنسبة 10% على معظم الدول في أبريل.
هذا التصعيد، الذي شمل أيضًا فرض رسوم مرتفعة على السيارات والصلب والمعادن وأخرى قيد الدراسة على الأدوية وأشباه الموصلات، ترافق مع تهديدات بزيادات جديدة قد تدخل حيز التنفيذ في أغسطس، ما يثير مخاوف من اختناقات تجارية وتباطؤ في النمو.
الصورة من الداخل الأمريكي: نمو قوي يخفي تباطؤًا كامنًا
في الولايات المتحدة، أظهرت البيانات أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نما بنسبة 3.0% (على أساس سنوي معدل) في الربع الثاني من 2025، لكن هذا الأداء القوي يعود أساسًا إلى الانخفاض الحاد في الواردات بنسبة (-30.3%)، وهو عنصر يُطرح في حساب الناتج المحلي الإجمالي، ما يرفع الرقم الكلي.
هذا النمط المتأرجح في الناتج المحلي والواردات يعكس أثر سياسة البيت الأبيض التجارية، إذ دفعت الرسوم الجمركية إلى موجة تخزين احترازية في الشتاء، أعقبها تراجع حاد في الربيع. لكن عند النظر إلى مكونات النمو، يتضح أن الاستثمار التجاري والطلب النهائي تباطأا مقارنة بالربع الأول، حيث تراجع نمو الإنفاق على المعدات إلى (+4.8%) بعد قفزة (+23.7%) في الربع السابق، كما انخفض الاستثمار في المباني غير السكنية (+10.3%) والسكنية (+4.6%).
في المقابل، شهد الاستهلاك تحسنًا طفيفًا (+1.4%) بدعم من قطاع الخدمات (+1.1%)، بينما أظهر مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي تباطؤًا في التضخم من 2.5% إلى 2.4%، ما يشير إلى أن أثر الرسوم الجمركية على الأسعار ما زال محدودًا حتى الآن، ربما بسبب الفجوة بين الرسوم المحصلة فعليًا وتلك المعلنة.
تأثيرات إقليمية متفاوتة
-
الولايات المتحدة: رفع الصندوق توقعات النمو إلى 1.9% في 2025 و2% في 2026، لكن التحليل التفصيلي يشير إلى أن جزءًا من هذا النمو مدفوع بعوامل مؤقتة مثل الشراء المسبق، ما قد يؤدي إلى تباطؤ لاحق.
-
منطقة اليورو: زيادة طفيفة في التوقعات إلى 1.0% لعام 2025، بدعم من طفرة صادرات الأدوية الإيرلندية إلى السوق الأمريكية.
-
الصين: كانت المستفيد الأكبر من التعديلات، مع رفع التوقعات للنمو إلى 4.8% في 2025، مدعومة بنشاط أقوى من المتوقع وانخفاض الرسوم في أعقاب هدنة تجارية مع واشنطن.
مخاطر هيكلية على المدى المتوسط
يحذر صندوق النقد من أن استمرار الرسوم عند المستويات الحالية أو زيادتها سيضغط على النمو العالمي، خاصة في ظل تراجع مرونة سلاسل الإمداد وتفاقم العجز المالي في العديد من الدول. كما أن انخفاض الدولار – على عكس ما حدث في أزمات تجارية سابقة – يضيف أعباء على شركاء الولايات المتحدة التجاريين، في حين أن تباطؤ الاستثمار الأمريكي يعكس الأثر العميق للحرب التجارية على قرارات الأعمال.
خاتمة: عالم على مفترق طرق
تكشف توقعات صندوق النقد الدولي وبيانات الاقتصاد الأمريكي أن ما نشهده اليوم هو نمو مؤقت تغذيه عوامل استثنائية مثل المشتريات المسبقة وانخفاض الواردات، لكنه يخفي تباطؤًا في الاستثمارات والطلب الحقيقي. ومع بقاء المخاطر التجارية والمالية والجيوسياسية قائمة، فإن أي تصعيد جديد في الرسوم الجمركية قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى مرحلة أضعف من النمو، مع بقاء الأداء “باهتًا” مقارنة بالمعدلات التاريخية.
