أحداث هامة تحرك الأسواق العالمية اليوم - هل ننتظر انهيارات؟
الرسوم الجمركية الجديدة: هل هي سلاح سياسي أم فوضى اقتصادية عالمية؟
مع حلول الأول من أغسطس 2025، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن موجة جديدة من الرسوم الجمركية شملت 69 شريكًا تجاريًا، تراوحت نسبها بين 10% و41% على مجموعة واسعة من الدول. جاءت هذه الخطوة لتعكس تصعيدًا واضحًا في سياسة “أمريكا أولاً”، وأثارت موجة من ردود الفعل في الأسواق العالمية، وسط مخاوف من تداعياتها الاقتصادية والسياسية العميقة.
عندما يرفع دونالد ترامب شعار “أمريكا أولاً” ويبني جداراً جديداً من الرسوم الجمركية، يجد العالم نفسه أمام سؤال ملحّ: هل هذه السياسات درع حقيقي لحماية الاقتصاد الأمريكي، أم أنها مجرد سلاح سياسي لمعاقبة الخصوم وخلق حالة من الفوضى تخدم أجندة ضيقة؟ الأرقام والإحصاءات ترسم صورة قاتمة، تميل بشدة نحو الاحتمال الثاني.
فالرسوم التي فرضتها وتعتزم فرضها الإدارة الأمريكية، والتي قد ترفع متوسط المعدل المطبق على الواردات من 2.5% إلى ما يقارب 18.4% بحلول يوليو 2025، ليست مجرد أرقام في تقارير التجارة. إنها تمثل ضريبة مباشرة يتحملها المستهلكون والشركات الأمريكية. تشير تحليلات مكتب الميزانية بالكونغرس (CBO) إلى أن هذه الرسوم قد تسببت بالفعل في زيادة أسعار المستهلك بنسبة 1.8% على المدى القصير، مما يعني خسارة تعادل 2,400 دولار لكل أسرة أمريكية في المتوسط سنوياً. هذا العبء لا يتوزع بالتساوي، حيث تتحمل الأسر ذات الدخل المنخفض خسائر تصل إلى 1,300 دولار سنوياً، وهو ما يمثل نسبة أكبر من دخلها المتاح.
الشركات الكبرى لم تكن بمنأى عن هذه التكاليف. فشركة فورد، التي تصنّع معظم سياراتها داخل الولايات المتحدة، تتوقع أن تصل فاتورة الرسوم الجمركية التي ستدفعها هذا العام إلى ملياري دولار، بزيادة 500 مليون دولار عن توقعاتها السابقة. هذه التكلفة، كما هو متوقع، ستجد طريقها حتماً إلى المستهلك النهائي الذي يرى بالفعل ارتفاعاً في أسعار السيارات. وتشير التوقعات إلى أن التأثير السلبي على نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي قد يصل إلى -0.5 نقطة مئوية لعامي 2025 و2026، وكذلك ضعف بيانات وزارة العمل والتي تشير إلى أن الاقتصاد الأمريكي أضاف 73 ألف وظيفة فقط في يوليو، مقارنة بتوقعات السوق التي رجّحت إضافة 100 ألف وظيفة على الأقل. بينما قد ترتفع الأسعار فقد ارتفعت أسعار الأحذية والمنتجات الجلدية بنسبة تصل إلى 40% على المدى القصير.
ارتباك الأسواق: ضبابية تضرب سلاسل الإمداد العالمية
الأثر الأعمق لهذه السياسات يتجاوز التكلفة المباشرة، ليخلق حالة من الارتباك وعدم اليقين التي شلت قدرة الشركات على التخطيط للمستقبل. سلاسل الإمداد العالمية، التي استغرق بناؤها عقوداً لتصل إلى كفاءتها الحالية، اهتزت بعنف. الشركات التي تعتمد على مكونات مستوردة من الصين أو أوروبا وجدت نفسها في مأزق: هل تتحمل التكلفة الإضافية، أم تبحث عن موردين جدد في دول أخرى، أم تنقل عملياتها بالكامل خارج الولايات المتحدة؟
تجميد الاستثمارات وتراجع الثقة
أظهرت بيانات مجلس الاحتياطي الفيدرالي أن حالة عدم اليقين التجاري أدت إلى تراجع ملحوظ في الاستثمار الخاص، حيث أحجمت الشركات عن ضخ رؤوس أموال جديدة في ظل ضبابية المشهد. شركات مثل جنرال موتورز (NYSE:GM) وكاتربيلر أعلنت عن تأجيل مشاريع توسعة بقيمة مليارات الدولارات، في انتظار وضوح الرؤية حول السياسات التجارية المستقبلية.
اضطراب المخزون وتشوهات السوق
لجأت العديد من الشركات إلى تخزين كميات هائلة من البضائع قبل تطبيق الرسوم، مما أدى إلى تشوهات في بيانات المخزون وتكاليف تخزين باهظة. شركة وول مارت، أكبر بائع تجزئة في العالم، اضطرت إلى استئجار مستودعات إضافية بتكلفة تزيد عن 200 مليون دولار لتخزين البضائع المستوردة قبل تطبيق الرسوم. وبعد تطبيق الرسوم، عانت الشركات من نقص في المكونات الأساسية، مما أدى إلى تأخير في الإنتاج وزيادة في التكاليف.
خسارة القدرة التنافسية العالمية
الشركات الأمريكية التي تستخدم الصلب والألومنيوم المستورد في منتجاتها، مثل شركات صناعة السيارات والمعدات، وجدت أن تكاليف إنتاجها ارتفعت مقارنة بمنافسيها الدوليين، مما أضعف قدرتها على التصدير. شركة بوينغ، عملاق صناعة الطيران الأمريكي، أعلنت أن الرسوم الجمركية على المواد الخام قد تكلفها 1.5 مليار دولار إضافية سنوياً، مما يهدد قدرتها على المنافسة مع شركة إيرباص الأوروبية في الأسواق العالمية.
التأثير على الشركات العالمية والأسواق الناشئة
لم تقتصر آثار هذه السياسات على الشركات الأمريكية فحسب، بل امتدت لتشمل الشركات العالمية والأسواق الناشئة. الشركات الصينية، التي كانت تعتمد بشكل كبير على السوق الأمريكي، اضطرت إلى إعادة توجيه استراتيجياتها التجارية. شركة هواوي، على سبيل المثال، شهدت انخفاضاً في إيراداتها من السوق الأمريكي بنسبة 60% خلال عامين، مما دفعها للتركيز أكثر على الأسواق الآسيوية والأوروبية.
الشركات الأوروبية أيضاً لم تسلم من هذا الارتباك. شركة بي إم دبليو الألمانية، التي تصدر سيارات من مصانعها في الولايات المتحدة إلى الصين، وجدت نفسها محاصرة بين رسوم جمركية من الجانبين، مما أدى إلى انخفاض أرباحها بنسبة 15% في الربع الأخير من عام 2024.
الجذور التاريخية والحاضر المضطرب
الحمائية ليست فكرة جديدة. في منتصف القرن العشرين، دافع اقتصاديون بنيويون عن فكرة الحواجز التجارية لحماية الصناعات الوليدة في الدول النامية. لكن حتى في ذلك الوقت، فقد حذر مفكرون مثل ميخال كاليكي من أن التصنيع السريع دون تأمين أساسيات مثل الغذاء والسلع الأساسية والسيطرة على التضخم، سيؤدي حتماً إلى اختناقات اقتصادية.
وكاليكي (1899–1970) اقتصادي بولندي رائد في الاقتصاد الكلي، سبق الكينزية في إبراز دور الطلب الفعّال وأهمية التخطيط المتوازن للتنمية.
اليوم، تبدو رؤية كاليكي أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالتنمية المستدامة لا تُبنى على الجمارك وحدها، بل تتطلب استراتيجية داخلية متكاملة تركز على زيادة الإنتاجية، وتحقيق العدالة في توزيع الثروة، وضمان الاستقرار الاجتماعي. التجارب الناجحة في شرق آسيا أثبتت أن الجمع بين التوجه التصديري وتأمين الغذاء كان أكثر فاعلية من الاعتماد الكلي على سياسة إحلال الواردات.
إن حمائية ترامب، رغم أنها قد تحقق أهدافاً سياسية قصيرة المدى، تفشل في معالجة التحديات الهيكلية العميقة للاقتصاد الأمريكي. الدرس الحقيقي، الذي ينطبق على الدول المتقدمة والنامية على حد سواء، هو أن القوة الاقتصادية الحقيقية تُبنى من الداخل، وليس عبر بناء الجدران على الحدود.
أصوات الخبراء: إجماع على التحذير
هناك إجماع شبه كامل بين الاقتصاديين على أن الحمائية تضر بالنمو الاقتصادي والرفاهية على المدى الطويل. جوزيف ستيغليتز، الحائز على جائزة نوبل، يرى أن هذه الرسوم تضر بالاقتصاد الأمريكي والعالمي أكثر مما تفيد، مؤكداً أن “الحروب التجارية لا تنتج سوى خاسرين”.
بول كروغمان يحذر من أن الحروب التجارية تزعزع استقرار سلاسل القيمة العالمية وتؤدي إلى ردود انتقامية تضر بالوظائف. في مقال حديث له، أشار كروغمان إلى أن “كل دولار يُجمع من الرسوم الجمركية يكلف الاقتصاد الأمريكي ثلاثة دولارات في شكل خسائر في الكفاءة والإنتاجية”.
حتى المفكر المحافظ أورين كاس، الذي يدافع عن فرض رسوم مرتفعة، يقر بأنها يجب أن تكون جزءاً من استراتيجية أوسع تشمل دعماً حكومياً للصناعات الوطنية وإصلاحات في التعليم والبنية التحتية. في المقابل، يرى ها-جون تشانغ أن معظم الدول الصناعية الكبرى، بما فيها بريطانيا والولايات المتحدة، تطورت تاريخياً خلف حواجز جمركية قوية، لكنه يؤكد أن ذلك كان في سياق تاريخي مختلف تماماً، عندما كانت الاقتصادات أقل تشابكاً والتكنولوجيا أقل تطوراً.
الآثار طويلة المدى: نحو عالم أقل ترابطاً
إذا استمرت هذه السياسات، فإن العالم قد يشهد تراجعاً في مستوى الترابط الاقتصادي الذي ساد العقود الماضية. هذا التراجع لن يؤثر فقط على التجارة، بل سيمتد ليشمل الابتكار والتطوير التكنولوجي. فالشركات التي تعتمد على التعاون الدولي في البحث والتطوير قد تجد نفسها مضطرة لتقليص هذه الأنشطة، مما يبطئ من وتيرة التقدم التكنولوجي.
كما أن الدول النامية، التي تعتمد على الصادرات لتمويل برامج التنمية، قد تواجه تحديات جسيمة في تحقيق أهدافها الاقتصادية. البنك الدولي يقدر أن استمرار الحروب التجارية قد يؤدي إلى تراجع النمو الاقتصادي العالمي بنسبة 1.2% سنوياً، مما يعني خسارة تريليونات الدولارات من الناتج العالمي.
خاتمة: سلاح ذو حدين في عالم متشابك
بين مؤيد يرى في الحمائية درعاً للاقتصاد الوطني، ومعارض يعتبرها قيداً على الكفاءة والابتكار، تظل هذه السياسة سلاحاً ذا حدين. التجارب التاريخية والمعاصرة تؤكد أن نجاح أي سياسة حمائية يعتمد على كونها مؤقتة وموجهة، ومصحوبة بإصلاحات هيكلية داخلية. أما تحويلها إلى أداة سياسية دائمة وفوضوية، كما يفعل ترامب، فإنه لا يحمل فقط مخاطر جسيمة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي المحلي، بل يهدد بنسف أسس النظام التجاري العالمي الذي بُني على مدى سبعين عاماً، ويدخل العالم في دوامة من عدم اليقين والركود.
الدرس الحقيقي هو أن القوة الاقتصادية تُبنى من الداخل، وليس عبر بناء الجدران على الحدود. الاستثمار في التعليم والبحث والتطوير والبنية التحتية، وضمان العدالة في توزيع الثروة، هي الأسس الحقيقية لاقتصاد قوي ومستدام. أما الحمائية، فيجب أن تبقى أداة استثنائية ومؤقتة، وليس استراتيجية دائمة تقود العالم نحو المزيد من التفكك والصراع
