الصين بين مطرقة الإيرادات وسندان ثقة المستثمرين

تم النشر 17/08/2025, 18:07

في خطوة غير مسبوقة، فتحت السلطات الصينية جبهة جديدة في معركتها الاقتصادية الشرسة، وذلك بإطلاق حملة واسعة النطاق تستهدف المستثمرين الأفراد الذين يحققون أرباحاً من التداول في الأسواق المالية العالمية. هذه الحملة التي قادتها سلطات الضرائب في مدن ومقاطعات كبرى مثل شنغهاي وتشيجيانغ وشاندونغ، لم تأتِ من فراغ؛ بل جاءت في سياق اقتصادي بالغ التعقيد تعيشه بكين، حيث تتزاحم الأزمات من تراجع مبيعات الأراضي إلى انفجار ديون الحكومات المحلية، وصولاً إلى التباطؤ في معدلات النمو التي لطالما شكّلت مصدر فخر للنموذج الصيني.

لكن، وراء هذه الخطوة أكثر من مجرد سعي لتحصيل ضرائب متأخرة. نحن أمام تحول استراتيجي في طريقة تعامل الصين مع مواطنيها المستثمرين، ومع النظام الضريبي العالمي الذي أصبحت جزءاً منه عبر "المعيار المشترك للإبلاغ" (CRS). هذه الحملة تعكس، في جوهرها، مأزقاً مزدوجاً: الحاجة الملحة للإيرادات من جهة، والخطر المحدق بتآكل ثقة المستثمرين من جهة أخرى.

الحملة الضريبية: تفاصيل غير مسبوقة

بدأت ملامح الحملة الضريبية تتضح عندما أطلقت سلطات الضرائب بيانات رسمية عبر مواقعها الإلكترونية، مدعومة بحملة إعلامية ضخمة قادتها وسائل الإعلام الرسمية، لتؤكد للمستثمرين أن "لا إعفاء على أرباح التداول المباشر في الأسهم الأجنبية". وأكدت الصحف المقرّبة من البنك المركزي أن دفع الضرائب على هذه الأرباح واجب قانوني على كل مواطن، محذّرة من أن المخالفات قد تفتح الباب أمام تحقيقات وعقوبات صارمة.

لم تكتف السلطات بالإعلانات العامة، بل لجأت إلى أسلوب مباشر وشخصي، حيث قامت بالتواصل مع الأفراد عبر المكالمات الهاتفية والرسائل النصية، مطالبة إياهم بسداد المتأخرات الضريبية. وبلغ الأمر ذروته عندما طُلب من مستثمرين مثل روجر هوانغ في شنغهاي دفع 20 في المائة من أرباحه من تداول أسهم هونغ كونغ خلال السنوات الثلاث الماضية، مع فرض غرامات يومية في حال التأخر.

لماذا الآن؟ خلفيات اقتصادية معقدة

رغم أن أرباح المستثمرين في الحسابات المحلية معفاة من الضرائب حتى عام 2027، فإن الحكومة الصينية اختارت أن تفتح ملف الأرباح الخارجية في هذا التوقيت تحديداً. الأسباب متعددة:

  1. تراجع مبيعات الأراضي: هذه السوق، التي لطالما شكّلت مصدراً أساسياً لتمويل الحكومات المحلية، انهارت بشكل غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة.
  2. أزمة ديون الحكومات المحلية: ديون متراكمة باتت تهدد الاستقرار المالي والإداري، وتحتاج إلى تمويل عاجل لإدارتها.
  3. تباطؤ النمو الاقتصادي: الصين لم تعد تسجل نسب النمو القياسية التي اعتادت عليها، ما دفعها للبحث عن بدائل جديدة لدعم الميزانية.
  4. الحاجة إلى تمويل برامج اجتماعية: من إعانات الأطفال على المستوى الوطني إلى دعم الاستهلاك الأسري، كلها ملفات باتت تحتاج إلى موارد مالية ضخمة.


هذه الخلفيات تجعل الحملة الضريبية تبدو وكأنها خيار اضطراري لا مفر منه، أكثر من كونها قراراً مخططاً بهدوء.

التكنولوجيا تدخل على الخط

منذ عام 2018، عززت الصين قدراتها التكنولوجية لتعقب الأرباح الخارجية. فقد أطلقت تطبيقاً إلكترونياً للإبلاغ عن ضريبة الدخل الفردي، كما انضمت إلى "المعيار المشترك للإبلاغ"، وهو إطار دولي تبنته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بهدف مكافحة التهرب الضريبي عبر الحدود.

هذا الانضمام سمح لبكين بتبادل المعلومات المالية مع أكثر من 120 دولة ومنطقة، بما في ذلك هونغ كونغ. وبذلك أصبح من السهل على السلطات تتبع المستثمرين الذين يستخدمون منصات تداول مثل "فوتو سيكيوريتيز" و"تايغر بروكرز" لشراء الأسهم الأجنبية. بمعنى آخر، لم يعد المستثمر قادراً على التخفي وراء حدود جغرافية أو منصات خارجية

المخاوف المتصاعدة بين المستثمرين

غير أن هذه الحملة لم تمر دون ضجة. فقد أحدثت صدمة لدى أوساط المستثمرين الأفراد الذين وجدوا أنفسهم فجأة مطالبين بدفع ضرائب بأثر رجعي على أرباح لم يكن يتوقعون خضوعها للمحاسبة. وبدأ البعض يفكر في نقل أصوله إلى منصات خارج نطاق المعيار المشترك للإبلاغ، بحثاً عن مخرج من قبضة الضرائب.

ويحذر خبراء الضرائب من أن هذه الخطوة، رغم مشروعيتها، قد تؤدي إلى نتائج عكسية على المدى البعيد. فبحسب يوجين وينغ، المحامي المتخصص في قضايا الضرائب في شنغهاي، فإن "تكلفة تعقب الأرباح الخارجية أصبحت منخفضة جداً بالنسبة للسلطات"، لكنه أضاف أن "تدفق رؤوس الأموال إلى الخارج سيظل تحدياً قائماً، خاصة مع الفارق الكبير بين الأسواق المحلية الباهتة والأسواق الأميركية وأسواق هونغ كونغ المزدهرة".

ثقة المستثمرين على المحك

التحدي الأكبر الذي يواجه بكين اليوم ليس في تحصيل الضرائب، بل في كيفية الحفاظ على ثقة المستثمرين. فحين تبدأ دولة بفرض ضرائب صارمة على أرباح مواطنيها في الخارج، قد يقرأ المستثمرون هذه الخطوة على أنها علامة ضعف أكثر من كونها دليلاً على قوة القانون. إنها رسالة مفادها أن الدولة تفتقر إلى مصادر ضريبية مستقرة وغنية، وهو تصور قد يضر بصورة الصين كوجهة آمنة وجاذبة للاستثمار.

وإذا كان الهدف من الحملة زيادة الإيرادات، فإن النتيجة غير المقصودة قد تكون العكس تماماً: هروب الاستثمارات، وتراجع تدفق رؤوس الأموال، وتفاقم أزمة الثقة.

الصين أمام مفترق طرق

في النهاية، يجد النظام الصيني نفسه أمام معادلة صعبة: كيف يجمع الإيرادات اللازمة لتمويل برامجه ومواجهة أزماته الاقتصادية، من دون أن يبعث برسائل سلبية للمستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء؟

إن نجاح هذه الحملة يعتمد على قدرتها على تحقيق توازن دقيق بين تطبيق القانون الضريبي بصرامة من جهة، وتقديم ضمانات كافية للاستقرار والشفافية من جهة أخرى. فالمستثمرون لا يخشون الضرائب بقدر ما يخشون الغموض، وعدم وضوح القواعد، والتطبيق الانتقائي للقوانين.

زمن التغيرات السريعة

الحملة الضريبية التي شنتها الصين على أرباح مواطنيها من الأسواق العالمية تمثل لحظة مفصلية في تاريخ النظام المالي للبلاد. إنها ليست مجرد خطوة تقنية لتحصيل ضرائب، بل تعكس تحولات عميقة في علاقة الدولة بمواطنيها، وفي موقع الصين على الخريطة المالية العالمية.

لكن ما ستكشفه الأشهر والسنوات المقبلة هو ما إذا كانت هذه الخطوة بداية لنظام مالي أكثر صرامة وشفافية، أم أنها ستُسجّل كواحدة من تلك السياسات التي ولدت من رحم أزمة، ولم تزد الأمور إلا تعقيداً.

في زمن التغيرات السريعة، تبقى ثقة المستثمرين رأس المال الأهم لأي اقتصاد. وإذا فقدت الصين هذا الرصيد، فإن استعادته قد يكون أكثر كلفة من أي إيرادات ضريبية تسعى اليوم لتحصيلها.

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.