كيف يستجيب الذهب لحكم المحكمة العليا بشأن رسوم ترامب الجمركية؟
يُعدُّ النحاسُ (Copper) أحد أقدم المعادن التي اكتشفها الإنسانُ واستخدمها، ولا يزال حتى يومنا هذا يلعبُ دورًا محوريًا في مختلف جوانب حياتنا. في إطار السياسة الحمائية التي تنتهجها الإدارة الأمريكية، فرضتْ واشنطنُ تعريفةً جمركيةً بنسبة 50% على واردات المنتجات النحاسية، في محاولة لإحياء صناعة النحاس المحلية التي شهدتْ تراجعًا حادًا منذ منتصف التسعينيات. فمنذ عام 1995، انخفضَ إنتاجُ النحاس الأمريكي بأكثر من 50% وتراجعتْ قدرةُ التكرير بأكثر من 60%، مما جعلَ الولاياتِ المتحدةَ تعتمدُ بشكل كبير على الواردات. يَهدفُ هذا المقالُ إلى تسليط الضوء على أهمية النحاس، وخصائصه، وتطبيقاته المتعددة، مع تحليل التحديات التي تُواجهُ صناعته، خاصة في سياق السياسات الحمائية الأمريكية وتأثيرها على السوق العالمية.
أسباب فرض التعريفة الجمركية
تأتي هذه التعريفاتُ الجمركيةُ كجزء من استراتيجية أوسع للإدارة الأمريكية تهدفُ إلى إعادةِ إحياءِ الإنتاجِ المحليِّ لقطاع التعدين بعد عقود من التراجع. الأسباب الرئيسية وراء هذا القرار تشملُ:
-
إعادة الإنتاج المحلي: فبعد إغلاق العديد من المناجم الأمريكية بسبب العولمة، وضعف القبول الاجتماعي للمشروعات الجديدة داخل الولايات المتحدة، وتوفر رواسب أجود وأرخص في دول أخرى، تسعى الإدارةُ إلى عكس هذا الاتجاه.
-
تعزيز القدرة على التكرير داخليًا: تعتمدُ الولاياتُ المتحدةُ بشكل كبير على تصدير خام النحاس للتكرير في الخارج، خاصة في الصين التي تمتلكُ حوالي 60% من القدرة العالمية، ثم إعادة استيراده. تهدفُ التعريفةُ إلى إعادة بناء قدرة التكرير الأمريكية.
-
التحوط ضد المخاطر الأمنية: يُمثلُ الاعتمادُ المفرطُ على الواردات في قطاع حيوي مثل النحاس خطرًا أمنيًا، وتسعى الإدارةُ إلى تقليل هذا الاعتماد لضمان استقرار سلاسل التوريد.
التأثير الفعلي مقابل المتوقع للتعريفات
عند الإعلان عن هذه التعريفة في يوليو 2025، قفزَ سعرُ النحاس في أمريكا الشمالية (COMEX) بنسبة 13% مقارنة بالسعر المرجعي العالمي (LME)، قبل أن يتراجعَ الفارقُ إلى حوالي 100 دولار للطن. على المدى القصير، قد تظلُ الأسعارُ مستقرةً نسبيًا بسبب تراكم المخزونات، لكن على المدى المتوسط يُتوقعُ ارتفاع جديد نتيجة استمرار الحاجة للاستيراد بتكلفة أعلى. هذا الارتفاع سيضغطُ على قطاعات حيوية مثل الإلكترونيات، والمركبات الكهربائية، وقطاع البناء، ومن المتوقع أن يُغذيَ التضخمَ في الولايات المتحدة.
العقبات الهيكلية أمام زيادة الإنتاج المحلي
على الرغم من الرغبة في تعزيز الإنتاج المحلي، تُواجهُ الولاياتُ المتحدةُ عقباتٍ هيكليةً كبيرةً تحولُ دون زيادة سريعة في عرض النحاس. هذه العقبات تشملُ:
-
البيروقراطية: تستغرقُ عمليةُ الحصولِ على تراخيصِ التعدينِ في الولايات المتحدة ما بين 7 إلى 10 سنوات في المتوسط، مقارنة بنحو سنتين فقط في كندا. هذا البطء يُعيقُ تطويرَ المشاريع الجديدة.
-
انخفاض جودة الخام: يَبلغُ متوسطُ تركيزِ النحاسِ في الخام الأمريكي 0.208%، وهو أقل بكثير من المتوسط العالمي البالغ 0.79%. هذا يعني الحاجةَ إلى معالجةِ كمياتٍ أكبرَ من الخام لاستخراج نفس الكمية من النحاس، مما يَزيدُ التكاليفَ ويُقللُ التنافسيةَ.
-
ارتفاع الكثافة الرأسمالية: ارتفعتْ تكلفةُ إنشاءِ قدرةِ إنتاجِ طنٍ من النحاس بشكل كبير، من 4,500 دولار عام 2000 إلى أكثر من 12,000 دولار اليوم، وقد تتجاوزُ 44,000 دولار لبعض المشاريع. هذه التكاليف الباهظة تَحدُّ من عدد المشاريع القابلة للاستمرار ماليًا.
-
نقص العمالة وارتفاع أسعار الطاقة: يُساهمُ نقصُ العمالةِ الماهرةِ وارتفاع تكاليف الطاقة في زيادة تكاليف الإنتاج الإجمالية، مما يُضعفُ القدرةَ التنافسيةَ للصناعة الأمريكية.
توزيع إنتاج النحاس عالميًا وأكبر الدول المنتجة
وفقًا لبيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) لعام 2024، بلغَ الإنتاجُ العالميُّ من النحاس حوالي 22 مليون طن. يتوزعُ هذا الإنتاجُ بشكل كبير بين عدد قليل من الدول المهيمنة على السوق:
-
تشيلي: تُنتجُ حوالي 5.3 مليون طن، أي ما يُعادلُ 24% من الإنتاج العالمي، وتتصدرُ القائمة بفضل احتياطياتها الوفيرة وجودة الخام العالية.
-
بيرو: تأتي في المرتبة الثانية بإنتاج يَبلغُ حوالي 2.6 مليون طن (12% من الإنتاج العالمي).
-
الصين: تُنتجُ حوالي 1.9 مليون طن (9% من الإنتاج العالمي)، ورغم ذلك تعتمدُ بشكل كبير على الاستيراد لتلبية طلبها الصناعي الهائل.
-
جمهورية الكونغو الديمقراطية: تُنتجُ حوالي 1.8 مليون طن (8% من الإنتاج العالمي)، وقد برزتْ كمورد رئيسي بفضل المشاريع الجديدة والاستثمارات الأجنبية.
-
الولايات المتحدة: تحتلُ المركز الخامس بإنتاج يَبلغُ حوالي 1.1 مليون طن (5% من الإنتاج العالمي)، لكن إنتاجها لا يُغطي سوى نصف استهلاكها المحلي.
يُظهرُ هذا التوزيعُ هيمنةَ دول أمريكا الجنوبية على السوق العالمية بفضل وفرة الاحتياطيات وجودة الخام، بينما تَظلُ دولٌ مثل الصين والولايات المتحدة، رغم أهميتهما الصناعية، تعتمدانِ على الواردات لتلبية جزء كبير من احتياجاتهما.
الخلاصة
تُعدُّ التعريفةُ الأمريكيةُ بنسبة 50% على واردات منتجات النحاس خطوة سياسية تهدفُ إلى حماية الصناعة المحلية، لكنها لن تحلَّ المشكلاتِ الهيكليةَ العميقةَ التي تُعيقُ زيادة الإنتاج. على المدى القصير، سيَتحمّلُ المستهلكُ الأمريكيُّ العبءَ الأكبرَ عبر ارتفاع الأسعار. كما أن هذه السياسات قد تؤدي إلى تشوهات في السوق العالمية وتُؤثرُ على مناطق أخرى مثل الخليج العربي والشرق الأوسط، مما يَتطلبُ استراتيجياتٍ مرنةً للتكيف.
في الختام، يظلُّ النحاسُ معدنًا حيويًا لا غنى عنه في تقدم الحضارة الحديثة، ولكن مستقبل صناعته يَتطلبُ معالجةً شاملةً للتحديات الهيكلية والبيئية والاقتصادية لضمان استدامة إمداداته وتلبية الطلب العالمي المتزايد.
التأثير العالمي والإقليمي للقرار
إن فرض تعريفات جمركية على النحاس من قبل قوة اقتصادية كبرى مثل الولايات المتحدة لا يقتصرُ تأثيرهُ على السوق الأمريكية وحدها، بل يمتدُّ ليُؤثرَ على السوق العالمية بأسرها. فمن المرجح أن يؤدي ذلك إلى تفتيت السوق، حيث ترتفعُ الأسعارُ في الولايات المتحدة وتنخفضُ في مناطق أخرى، مما يَخلقُ تشوهاتٍ في سلاسلِ التوريدِ العالميةِ. هذا قد يَدفعُ الدولَ المنتجةَ والمستهلكةَ الكبرى إلى إعادة تقييم استراتيجياتها التجارية والبحث عن أسواق بديلة أو تعزيز الإنتاج المحلي.
بالنسبة لمنطقة الخليج العربي والشرق الأوسط، التي تُعدُّ من المناطق الغنية بالموارد الطبيعية وتسعى لتنويع اقتصاداتها بعيدًا عن النفط، فإن هذه التغيرات في سوق النحاس العالمية قد تُمثلُ فرصًا وتحدياتٍ في آن واحد. فمن ناحية، قد تزدادُ أهميةُ المنطقةِ كمصدر محتمل للمعادن إذا ما تم استكشاف وتطوير احتياطيات النحاس فيها. ومن ناحية أخرى، قد تتأثرُ المشاريعُ الصناعيةُ والبنيةُ التحتيةُ الكبرى التي تعتمدُ على النحاس بارتفاع الأسعار العالمية أو تقلبات السوق الناتجة عن هذه السياسات الحمائية. يَتطلبُ الأمرُ مراقبةً دقيقةً للسوق العالمية واستراتيجيات مرنة للتكيف مع هذه التغيرات لضمان استقرار سلاسل الإمداد والتأثير على التنمية الاقتصادية في المنطقة.
