توقعات بنك استثماري: الذهب من 4,600 إلى 6,000 دولار
يشهد العالم اليوم مرحلة غير مسبوقة من التحولات في النظام التجاري العالمي، تحولات تتجاوز الأرقام والرسوم الجمركية لتلامس جوهر العلاقات الدولية، وتعكس صراعًا محتدمًا بين القوة الاقتصادية الأميركية من جهة، وصعود قوى مع منافسة كبرى مثل الصين والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى.
لقد كانت السياسة التجارية الأميركية لعقود ركيزة للنظام الاقتصادي الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، واستمر عبر اتفاقية "الجات" ثم منظمة التجارة العالمية. لكن مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، حملت واشنطن رؤية مغايرة، ترفع شعار "أميركا أولاً"، وتعيد تعريف التجارة بوصفها أداة للسيادة والهيمنة، أكثر منها وسيلة لتعزيز التبادل والانفتاح.
المقال الافتتاحي لهذا العدد الخاص يحاول أن يضع القارئ أمام صورة بانورامية لهذه التحولات: هل نحن أمام ولادة نظام تجاري عالمي جديد، أم أمام موجة حمائية مؤقتة محكومة بالمصالح السياسية الداخلية الأميركية؟ وما أثر ذلك على بقية الاقتصادات الكبرى والصغرى، وعلى مستقبل العولمة نفسها؟
إرث ما بعد الحرب: من الانفتاح إلى الانكفاء
منذ عام 1948، حين تأسست اتفاقية "الجات" كأساس لتنظيم التجارة العالمية، والولايات المتحدة تقود عملية بناء نظام اقتصادي مفتوح. لقد ربطت بين مصالحها القومية وبين مصالح الحلفاء، وأسست لمفهوم التكامل الاقتصادي الدولي الذي بلغ ذروته مع إنشاء منظمة التجارة العالمية عام 1995.
لكن اللافت أن الولايات المتحدة، ورغم دورها القيادي، أبقت متوسط تعرفة صناعية لا يتجاوز 3 بالمئة، لتكون بذلك أكثر الاقتصادات انفتاحاً. كان ذلك خيارًا استراتيجياً مدفوعاً برغبة في تثبيت النفوذ الأميركي عبر الاقتصاد، وتعزيز العولمة باعتبارها قناة لانتشار النموذج الليبرالي الأميركي.
غير أن هذه المعادلة بدأت تتآكل تدريجياً، مع تراكم اختلالات في موازين التجارة، وصعود قوى جديدة، وصولاً إلى لحظة ترامب التي أعادت الحسابات إلى نقطة البداية.
ترامب والرسوم الجمركية: سلاح بوجه النظام
حين قرر الرئيس الأميركي في أغسطس من ولايته الأولى فرض رسوم جمركية بمتوسط بلغ 17 بالمئة، لم يكن القرار مجرد خطوة اقتصادية، بل إعلاناً رمزياً بعودة الولايات المتحدة إلى منطق الحمائية الذي سبق الحرب العالمية الثانية.
ترامب قدّم هذه الرسوم باعتبارها دفاعاً عن العمال الأميركيين وعن الصناعات الوطنية التي عانت من المنافسة الأجنبية. لكنه في العمق، كان يعيد صياغة معادلة التجارة بوصفها أداة سياسية، يُلوّح بها في وجه الخصوم، ويفاوض عبرها الحلفاء.
الخطورة في هذه الخطوة أنها كسرت القاعدة الذهبية للنظام التجاري العالمي: المعاملة بالمثل وعدم التمييز. فالرسوم الأميركية لم تكن مجرد ضرائب عامة، بل تمييزية تستهدف منتجات بعينها، ودولاً محددة، في محاولة لفرض شروط أميركية على الجميع.
شعار "أميركا أولاً": بين الاقتصاد والسياسة
رؤية ترامب لا يمكن قراءتها في إطار اقتصادي محض. فهي امتداد لفلسفة قومية أوسع ترى أن الولايات المتحدة أعطت الكثير للنظام الدولي، وحان الوقت لتجني الثمار وحدها.
- استبدل ترامب التكامل الإقليمي بفكرة الاتفاقيات الثنائية.
- اعتبر أن المؤسسات الدولية مثل منظمة التجارة العالمية قيود على السيادة الأميركية.
- ربط التجارة بالأمن القومي، ليصبح التبادل التجاري جزءاً من معادلة القوة والنفوذ.
بهذا، تحولت السياسة التجارية الأميركية إلى أداة استراتيجية تعيد تموضع واشنطن، وتجعلها ليست مجرد لاعب في النظام، بل صانع للنظام الجديد وفق شروطها.
ارتباك الحلفاء: بين الالتزام والبحث عن بدائل
في مواجهة هذا النهج، أبدى الحلفاء التقليديون للولايات المتحدة، مثل الاتحاد الأوروبي واليابان وكندا، ارتباكاً واضحاً. فقد التزموا بالنظام التجاري العالمي، مع استعدادهم لإصلاحه، لكنهم لم يتبنوا النهج الأحادي الأميركي.
تقرير صحفي بارز أشار إلى أن استمرار هذه الدول على التزامها بالقواعد سيترك الولايات المتحدة وكأنها تعمل في "عالم خاص بها"، حيث يزداد عزلتها التجارية، رغم أنها لا تزال قادرة على إحداث هزات عميقة في الاقتصاد الدولي.
لكن السؤال الأهم: هل يمكن لأميركا، مهما بلغت قوتها، أن تفرض وحدها نظاماً تجارياً جديداً دون إقناع الآخرين بجدواه؟
الصين: الرابح غير المتوقع من الحرب التجارية
بينما كان ترامب يخوض حرب الرسوم الجمركية، كانت الصين تفتح أبواباً جديدة نحو الجنوب العالمي. فقد ضاعفت صادراتها إلى آسيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط، ووسّعت استثماراتها في البنية التحتية والمراكز الصناعية.
هذه التحولات ليست مجرد استجابة ظرفية، بل جزء من رؤية صينية بعيدة المدى تهدف إلى جعل التجارة بين دول الجنوب مركز الثقل الجديد للاقتصاد العالمي. ومع تباطؤ الاقتصاد الصيني داخلياً، فإن الشركات الصينية تجد في الأسواق الناشئة متنفساً لنموها.
الحرب التجارية الأميركية إذن، بدل أن تُضعف الصين، سرّعت في إعادة تموضعها كلاعب أساسي يقود مساراً موازياً للعولمة.
منظمة التجارة العالمية: التهميش المتعمد
منذ تأسيسها عام 1995، شكّلت منظمة التجارة العالمية مرجعية لتنظيم النزاعات وضبط القواعد. لكن واشنطن في عهد ترامب قلّصت دورها، ورفضت تعيين قضاة جدد في هيئتها، ما شلّ قدرتها على التحكيم.
هذا التهميش لم يكن صدفة، بل مقصوداً. فقد أرادت الإدارة الأميركية أن تنقل التفاوض من إطار متعدد الأطراف إلى إطار ثنائي حيث تستطيع ممارسة الضغط المباشر.
هكذا تحولت المنظمة من أداة لصون النظام، إلى شاهد على تفككه البطيء.
بين النظام الجديد والموجة المؤقتة
الجدل الأساسي المطروح اليوم: هل تمثل هذه السياسات الأميركية بداية نظام تجاري عالمي جديد، أم أنها مجرد موجة حمائية مؤقتة مرتبطة برؤية إدارة ترامب فقط؟
الخبراء منقسمون:
- فريق يرى أن ما يحدث تحول استراتيجي يعكس إدراكاً أميركياً بأن العالم لم يعد يحتمل مؤسسات متعددة الأطراف، وأن النفوذ لا يتحقق إلا بالقوة.
- فريق آخر يعتبر أن هذه السياسات لا يمكن أن تصمد طويلاً، لأنها تضر حتى بالاقتصاد الأميركي نفسه، وستُرغم واشنطن عاجلاً أو آجلاً على العودة إلى التوافق الدولي.
لكن المؤكد أن الاستقرار الذي ميّز العقود الماضية انتهى. العالم أمام مرحلة تنافسية صدامية، تُختبر فيها قدرة الدول على الصمود وإعادة التموضع.
التداعيات على الدول النامية: فرص وتحديات
الدول النامية ليست خارج هذه المعادلة. فهي بين خيارين:
- الرضوخ للشروط الأميركية والتفاوض على اتفاقيات ثنائية قد تمنحها مكاسب محدودة لكنها تُضعف استقلاليتها.
- تنويع الشراكات، كما فعلت بعض الاقتصادات التي اتجهت نحو الصين والاتحاد الأوروبي والجنوب العالمي.
في الحالتين، تواجه هذه الدول بيئة غير مستقرة، لكنها قد تجد أيضاً فرصاً لإعادة رسم موقعها ضمن التوازنات الجديدة.
الاقتصاد العالمي بين السيادة والعولمة
تبدو اللحظة الراهنة وكأنها اختبار جوهري لمفهوم العولمة. فالتجارة لم تعد نشاطاً اقتصادياً محايداً، بل أداة جيوسياسية لتثبيت النفوذ.
- الرسوم الجمركية لم تعد مجرد أداة مالية، بل وسيلة ضغط استراتيجي.
- الاتفاقيات الثنائية لم تعد وسيلة لتعزيز التعاون، بل أداة لفرض التفوق.
- الأسواق الناشئة لم تعد مجرد مستهلك، بل لاعب أساسي في إعادة صياغة موازين القوى.
العالم على مفترق طرق
السياسات التجارية الأميركية اليوم ليست مجرد خبر اقتصادي. إنها إعلان عن مرحلة جديدة في العلاقات الدولية، حيث القوة تحل محل التوافق، والمصالح القومية تعلو على القواعد الجماعية.
قد لا يكون ترامب قد أسس نظاماً جديداً بعد، لكنّه بالتأكيد هزّ النظام القديم من جذوره. والنتيجة أن العالم يقف اليوم أمام مفترق طرق: إما التكيف مع نهج أميركي أحادي، أو بناء تكتلات بديلة تقودها قوى صاعدة كالصين والاتحاد الأوروبي.
في كل الأحوال، ما بعد ترامب ليس كما قبله. فالتجارة العالمية لن تعود إلى براءتها الأولى، بل ستظل ساحة صراع مكشوفة بين الكبار، يدفع ثمنها الصغار، لكنها تفتح أيضاً الباب أمام إعادة تشكيل اقتصاد دولي أكثر تعددية، وربما أكثر صدامية.
