أحداث هامة تحرك الأسواق العالمية اليوم - هل ننتظر انهيارات؟
في وقت تتشابكُ فيه الأزماتُ الاقتصاديةُ مع التوترات الجيوسياسية، ويترقبُ العالمُ كلَّ إشارةٍ تصدر عن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، خرجَ جيمس بولارد، الرئيس السابق لبنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس وأحد أبرز المرشحين المحتملين لقيادة البنك المركزي الأميركي، بتصريحات جريئة حملتْ أصداءً واسعةً في الأسواق. دعا بولاردُ إلى خفض أسعار الفائدة بنسبة مئوية كاملة خلال العام الجاري، مع الإشارة إلى إمكانية المضي في دورة أعمق من التخفيضات خلال عام 2026.
هذه التصريحات ليست مجرد تقديرات اقتصادية، بل هي مؤشر على صراع الرؤى داخل المؤسسات الأميركية حول مستقبل السياسة النقدية، وعلى رهانات سياسية قد تُعيدُ رسمَ ملامحِ النظامِ الماليِّ العالميِّ.
بولارد في دائرة الضوء: المرشح والرسالة
يتمتعُ جيمس بولارد بسمعة خاصة في الأوساط الاقتصادية؛ فقد عُرفَ خلال فترة عمله داخل الاحتياطي الفيدرالي بمواقفه المستقلة، وبقراءاته الجريئة التي كثيرًا ما خالفتِ الإجماعَ السائدَ. اليوم، بصفته عميد كلية إدارة الأعمال بجامعة بيردو، يَطرحُ نفسه بقوة في السباق نحو رئاسة الفيدرالي خلفًا لجيروم باول.
تُعدُّ تصريحاته لقناة فوكس بيزنس، والتي أكدَ فيها أن الفائدة "مرتفعة بعض الشيء حاليًا" وأن هناك مجالًا لخفضها 100 نقطة أساس خلال العام الجاري، ليست مجرد ملاحظات تقنية، بل رسالة سياسية واقتصادية مُوجهةٌ في وقت حساس. الرسالة الأبرز أن السياسة النقدية الحالية لا تتناسبُ مع متطلبات الاقتصاد الأميركي في المرحلة المقبلة.
معركة الفائدة: ما بين الخفض التدريجي والقرارات الجريئة
يَعكسُ المشهد الحاليُّ انقسامًا داخل أروقة الفيدرالي والإدارة الأميركية. دعا وزير الخزانة سكوت بيسنت نفسه الأسبوع الماضي إلى سلسلة تخفيضات أكثر حدة، معتبرًا أن السعر المرجعي يَنبغي أن يكونَ أقلَّ بمقدار 150 نقطة أساس على الأقل مما هو عليه الآن، بل وحددَ سبتمبر موعدًا لبداية المسار عبر خفض بمقدار 50 نقطة أساس.
هذا الانقسام بين الدعوات لتخفيض تدريجي أو خفض حاد وسريع يَعكسُ تحديًا جوهريًا: كيف يمكن للاقتصاد الأميركي أن يُحافظَ على قوته، ويُواجهَ تباطؤَ النمو العالمي، ويَحميَ موقعَ الدولار كعملة احتياطي دولية، في وقت تُعيدُ فيه الأسواقُ تقييمَ توقعاتها؟
السياسة النقدية الأميركية تحت المجهر
ليستْ أسعار الفائدةِ في الولايات المتحدةِ مجردَ أداةٍ ماليةٍ داخليةٍ، بل هي محدد رئيسي لمسار الاقتصاد العالمي. ارتفاعها يَضغطُ على الاقتصادات الناشئة، ويَزيدُ من كلفةِ خدمةِ الديونِ الدوليةِ، ويُغيّرُ مساراتِ تدفقاتِ رؤوسِ الأموالِ. والعكس صحيح، إذ يُؤدِّي خفضُها إلى تحريرِ السيولةِ ودفعِ الأسواقِ إلى المخاطرة.
لهذا السبب، أي قرار من الفيدرالي لا يظلُ محصورًا في واشنطن أو وول ستريت، بل يَنعكسُ مباشرةً على العواصم العالمية من بكين إلى بروكسل، ومن الرياض إلى بوينس آيرس.
من هنا، تأتي أهميةُ تصريحاتِ بولارد وبيسنت: فهي ليست مجرد سجال داخلي أميركي، بل رسائل إلى العالم حول الاتجاهات المقبلة للسياسة النقدية.
الأبعاد السياسية: الانتخابات وسوق العمل والعقار
لا يمكنُ فصلُ النقاشِ حولَ الفائدةِ عن السياق السياسي الأميركي. مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقبلة، يُشكّلُ أداءُ الاقتصادِ أحد أهم أسلحة الحملات الانتخابية. الرئيس دونالد ترامب نفسه لم يترددْ في مهاجمةِ سياساتِ الفيدرالي، معتبرًا أن رفع الفائدة يَضرُّ بسوق الإسكان ويَضغطُ على المستهلك الأميركي.
في المقابل، يَسعى الديمقراطيون إلى إظهارِ صورةِ الاستقرارِ الماليِّ والسيطرة على التضخم بعد سنوات من اضطراب سلاسل التوريد. وبين هذين الموقفين، يَجدُ الفيدراليُّ نفسهُ في مواجهة ضغوط هائلة لا تقتصرُ على البيانات الاقتصادية، بل تشملُ التوازناتِ السياسيةَ والاستراتيجيةَ.
تأثيرات الأسواق: من الدولار إلى الذهب والنفط
كل إشارة تَصدرُ عن الفيدرالي أو مسؤوليه تَتركُ بصمتها الفوريةَ على الأسواق العالمية.
-
الدولار الأميركي: أي خفض في الفائدة يُقللُ من جاذبية الدولار كملاذ استثماري، لكنه قد يُعززُ القدرةَ التنافسيةَ للصادرات الأميركية.
-
الذهب: يَستفيدُ الذهبُ عادةً من بيئة الفائدة المنخفضة، باعتباره مخزنًا للقيمة.
-
أسواق النفط: الخفض قد يُدعمُ الطلبَ العالميَّ على الطاقة، لكن التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وروسيا تَظلُّ عاملًا مؤثرًا لا يَقلُّ أهميةً.
الاقتصاد العالمي على المحك
سيُحددُ القرارُ الأميركيُّ بخفضِ أو تثبيتِ الفائدةِ إلى حد كبير المسار الاقتصادي العالمي في الأعوام المقبلة.
-
في أوروبا، يُواجهُ البنكُ المركزيُّ الأوروبيُّ تحديًا مماثلًا، لكنه أكثر تعقيدًا بسبب تباين أوضاع اقتصادات الاتحاد.
-
في الصين، يُحاولُ البنكُ المركزيُّ الحفاظَ على معدلاتِ نموٍ مستقرةٍ وسط ضغوط قطاع العقارات.
-
أما في الأسواق الناشئة، فإن أي خفض في الفائدة الأميركية قد يُوفّرُ مُتَنفّسًا كبيرًا لتخفيف الضغوط على عملاتها المحلية وديونها.
بين حماية الدولار وتحديات النظام المالي الدولي
تَكشفُ تصريحاتُ بولارد عن ضرورة حماية موقع الدولار كعملة احتياطية عالمية جوهرَ النقاش. الولايات المتحدة لا تُدافعُ فقط عن اقتصادها المحلي، بل عن نظام مالي دولي يقومُ على مركزية الدولار. أي اهتزاز في الثقة بهذه العملة ستكونُ له تداعياتٌ استراتيجيةٌ، خصوصًا في ظل محاولات بعض القوى الكبرى تعزيز استخدام العملات المحلية في التبادلات التجارية.
أي مستقبل للفائدة الأميركية؟
السؤال الجوهري الآن: هل يَسلُكُ الفيدراليُّ مسارَ الخفضِ السريعِ كما يَدعو بولارد وبيسنت، أم يَتمسكُ بسياسة أكثر حذرًا لتفادي إشعال التضخم مجددًا؟
ستَظلُّ الإجابةُ مرهونةً بالبياناتِ الاقتصاديةِ المقبلةِ، وبالقدرة على قراءة التوازنات بين النمو والتضخم، وبين الاستقرار المالي والضغوط السياسية. لكن المؤكد أن ما يَجري اليومَ يتجاوزُ مجردَ نقاشٍ تقنيٍّ؛ إنه إعادة رسم لمستقبل الاقتصاد الأميركي ومكانته في النظام العالمي.
