هل تنهار أسعار النفط من جديد؟

تم النشر 27/08/2025, 09:45

شهدت أسعار النفط تراجعاً ملحوظاً يوم الثلاثاء 26 أغسطس 2025، لتفقد جزءاً كبيراً من مكاسبها السابقة. هذا التراجع لم يكن وليد لحظة، بل نتيجة تفاعل ثلاث قوى رئيسية: زيادة المعروض من تحالف "أوبك+"، بيانات اقتصادية أمريكية أضعف من المتوقع، وتراجع في حدة المخاطر الجيوسياسية. هذا التداخل المعقد للعوامل الأساسية والفنية يشير إلى أن السوق يدخل مرحلة من الضبابية والتوازن الحذر بين العرض والطلب.

أداء الأسعار: من الصعود إلى التراجع

 

في بداية الأسبوع، سجلت أسعار النفط تعافياً ملحوظاً يوم الاثنين، لكن سرعان ما تبددت هذه المكاسب يوم الثلاثاء. فقد انخفض سعر خام برنت إلى حوالي 67.72 دولاراً للبرميل، متراجعاً بنسبة قاربت 1.6%، بعد أن سجل في وقت سابق حوالي 68.64 دولاراً. وتكررت الصورة ذاتها مع خام غرب تكساس الوسيط (WTI)، الذي تراجع إلى نحو 63.68 دولاراً، بخسارة يومية بلغت حوالي 1.7%.

هذا التراجع المستمر عكس هشاشة المكاسب الأخيرة ومدى حساسية السوق تجاه المتغيرات الآنية، سواء كانت تصريحات سياسية أو بيانات اقتصادية.

عوامل العرض: تحولات في استراتيجية أوبك+

شهدت سياسة "أوبك+" تحولاً استراتيجياً خلال الأشهر الماضية. فبعد تمديد التخفيضات الطوعية حتى نهاية 2025، قرر التحالف في أغسطس رفع الإنتاج تدريجياً، بزيادة وصلت إلى أكثر من مليون برميل يومياً خلال أغسطس وسبتمبر. هذا التغيير يعكس توجهاً جديداً نحو حماية الحصة السوقية، بدلاً من التركيز فقط على دعم الأسعار.

في الوقت ذاته، يستمر الإنتاج من خارج "أوبك+" في الارتفاع، وعلى رأسه النفط الصخري الأمريكي الذي يُتوقع أن يصل إلى مستويات قياسية تقارب 13.6 مليون برميل يومياً، إلى جانب زيادات مستمرة في الإنتاج من دول مثل البرازيل. هذه المعطيات مجتمعة تضغط على الأسعار، حيث أن المعروض بات وفيراً بما يفوق النمو المحتمل في الطلب.

الطلب العالمي: إشارات ضعف من الاقتصادات الكبرى

 

من جهة أخرى، جاءت البيانات الاقتصادية الأمريكية مخيبة للآمال، خاصة بعد تراجع طلبيات السلع المعمرة بنسبة 9.3% في يونيو، ما يشير إلى تباطؤ في النشاط الاقتصادي داخل أكبر اقتصاد مستهلك للنفط. هذا التباطؤ ينعكس مباشرة على توقعات استهلاك الطاقة، ويزيد من الضغوط الهبوطية على الأسعار.

أما في الصين، ورغم التوقعات بنمو إجمالي في استهلاك النفط بنسبة 1.1% خلال 2025، إلا أن طبيعة هذا النمو تتغير. فقد بلغ الطلب على وقود النقل ذروته، فيما يتجه الاستهلاك مستقبلاً نحو قطاع البتروكيماويات. هذا التحول الهيكلي يضع سقفاً طويل الأجل على نمو الطلب، ما يقلل من قدرة السوق على امتصاص الفوائض.

الجيوسياسية والسياسات النقدية: تراجع المخاطر وزيادة الضبابية

 

كان لانخفاض التوترات الجيوسياسية، خاصة في الشرق الأوسط بعد الاتفاق بين إسرائيل وإيران، دور في تهدئة السوق. كذلك، تراجعت المخاوف بشأن تعطل الإمدادات، ما ساهم في تلاشي "علاوة المخاطر" التي كانت ترفع الأسعار في السابق.

على صعيد السياسة النقدية، تُعد أسعار النفط عنصراً مؤثراً على قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. فكل ارتفاع بواقع 10 دولارات في سعر البرميل قد يرفع معدل التضخم بنسبة 0.2%، ما قد يدفع الفيدرالي لتشديد السياسة النقدية، وهو ما يؤثر سلباً على النمو والطلب بالتبعية. هذه الحلقة المعقدة تزيد من حساسية السوق تجاه أي تصريحات أو تحركات من جانب صانعي السياسات.

التحليل الفني: إشارات هبوطية واضحة

من الناحية الفنية، تظهر إشارات متزايدة على ضعف الزخم الصعودي. خام برنت يواجه مقاومة عند 70.78 دولاراً، ودعماً عند 65.79 دولاراً. تقاطع المتوسطات المتحركة (50 يوماً دون 200 يوم) يشير إلى نمط هبوطي طويل الأجل. كذلك، نمط "شمعة الابتلاع البيعي" و"القمم المتدنية" تؤكد أن السوق يفتقر إلى قوة شرائية مستدامة.

وبالنسبة لخام غرب تكساس، فإن المقاومة القوية تقع قرب 65 دولاراً، والدعم عند 62.80 دولاراً، مع احتمال حدوث ارتدادات قصيرة الأجل في حال استمرار خروج مؤشر القوة النسبية من مناطق التشبع البيعي.

 

أهم مستويات مضاربة للنفط الأمريكي

توقعات السوق: بين السيناريوهات الصعودية والهبوطية

تتباين التوقعات المستقبلية بشكل كبير. تتوقع بعض المؤسسات مثل "جيه.بي مورغان" أن ينخفض خام برنت إلى 66 دولاراً هذا العام و58 دولاراً في 2026، مستندة إلى وفرة المعروض وضعف الطلب. في المقابل، لا تُستبعد سيناريوهات صعودية، قد تدفع الأسعار إلى مستويات تصل إلى 150 دولاراً في حال اندلاع أزمات جيوسياسية كبرى تعطل الإمدادات.

هذا التباين لا يعكس تضارباً بقدر ما يكشف أن مستقبل أسعار النفط مرهون بتطورات غير متوقعة، خاصة على الصعيد السياسي والجيوسياسي.

مزيج معقد من العوامل وتوقعات غير مستقرة

في المحصلة، يعكس تراجع أسعار النفط اليوم 26 أغسطس 2025 مزيجاً من العوامل الضاغطة: زيادة العرض، ضعف الطلب، وتراجع المخاطر الجيوسياسية. ومع بقاء هذه المؤثرات في الصورة، تميل السوق إلى البقاء في نطاق تداول ضيق، مع ميل هبوطي.

ستبقى قرارات "أوبك+"، البيانات الاقتصادية الكبرى، والتطورات السياسية هي مفاتيح المشهد المستقبلي. وعلى المستثمرين أن يتحلوا بالحذر، وأن يدركوا أن سوق النفط اليوم بات أكثر عرضة للتقلبات الناتجة عن قرارات سياسية بقدر ما يتأثر بالعوامل الاقتصادية التقليدية.

تنويه هام: يحتوي هذا التحليل على عدة سيناريوهات محتملة كما تم توضيحه أعلاه، لذلك يُرجى التعامل معه كمرجع تحليلي وليس كإشارة مباشرة للدخول أو الخروج. يجب انتظار تأكيد كسر مستويات الدعم أو المقاومة قبل اتخاذ أي قرار، والاعتماد على خطة إدارة رأس المال المناسبة لمحفظتك. نُذكر بأن التحليل الفني بطبيعته احتمالي وقد يصيب أو يخطئ، لذا فإن أي قرار استثماري يتم اتخاذه بناءً على هذا المحتوى هو مسؤوليتك الكاملة، ولا يتحمل الكاتب أو المصدر أي تبعات مالية ناتجة عن ذلك، خصوصاً في أوقات صدور الأخبار المؤثرة أو التغيرات المفاجئة في السوق.

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.