يشير مؤشر القاع التاريخي لبيتكوين إلى مستوى 62 ألف دولار – هل يمكن أن يهبط السعر إلى هذا الحد؟
شهدت الأسواق العالمية في يوم الثلاثاء، الموافق 26 أغسطس 2025، حركة لافتة في أسعار الذهب، حيث ارتفعت العقود الفورية للمعدن النفيس إلى مستوى 3,393.70 دولاراً للأونصة، محققة مكاسب يومية تقارب 0.83%. هذه القفزة لم تكن محض صدفة، بل جاءت نتاج تفاعل معقّد بين تطورات سياسية مثيرة، وإشارات نقدية أطلقها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، فضلاً عن تحركات في أسواق العملات والسندات العالمية.
وما لبثت الأسواق أن افتتحت تعاملات يوم الأربعاء، 27 أغسطس، على انخفاض طفيف، إذ تراجع الذهب من مستوى 3,393 إلى حدود 3,374 دولاراً حتى لحظة إعداد هذا التقرير، في حركة يمكن وصفها بأنها تصحيح فني طبيعي بعد موجة الارتفاع السابقة.
الان سنسلّط الضوء على أسباب الصعود القوي للذهب، و المعطيات الاقتصادية والسياسية المحرّكة للأسعار، لنقدّم في النهاية رؤية استشرافية شاملة لمسارات الذهب المحتملة في الأيام والأسابيع القادمة، مع تحديد مستويات الدعم والمقاومة المحورية التي تهم المستثمرين والمتداولين على حدّ سواء.
العوامل الرئيسية وراء ارتفاع الذهب
1- إشارات جيروم باول واحتمالات خفض الفائدة
خلال كلمته الأخيرة، لمح رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، جيروم باول، إلى أنّ دورة السياسة النقدية قد تدخل مرحلة أكثر مرونة في الفترة المقبلة، مشيراً إلى أنّ المجلس «سيتصرّف بحذر» حيال رفع الفائدة، ومؤكداً أنّ بيانات النمو والتضخم الأخيرة قد تبرّر خفض الفائدة ولو لمرة واحدة قبل نهاية العام.
هذه التلميحات أعادت تشكيل توقعات الأسواق بصورة دراماتيكية؛ إذ ارتفعت رهانات المستثمرين على خفض الفائدة في اجتماع سبتمبر القادم أو ما بعده بشكل كبير، ما انعكس مباشرة على عوائد السندات الأمريكية ومؤشر الدولار، وهما عاملان بالغا الحساسية بالنسبة للذهب. فالمعدن الأصفر، باعتباره أصلاً لا يدرّ عائداً، يكتسب بريقاً إضافياً عندما تتراجع العوائد الحقيقية للأصول المنافسة مثل السندات.
2- تطورات سياسية مثيرة للجدل: محاولة إقالة ليزا كوك
في خضم هذه المستجدات النقدية، فجّرت الساحة السياسية الأمريكية مفاجأة مدوية بمحاولة الرئيس السابق، دونالد ترامب، إقالة عضو مجلس الاحتياطي الفيدرالي، ليزا كوك (Lisa Cook)، وهي خطوة أثارت جدلاً واسعاً حول حدود استقلالية البنك المركزي وعلاقته بالسلطة التنفيذية.
المستثمرون عادة ما ينظرون إلى استقلالية البنوك المركزية كضمانة لاستقرار السياسات النقدية. وأي إشارة إلى تدخل سياسي مباشر تُقابل عادة بقلق شديد، ما يدفع رؤوس الأموال نحو الأصول الآمنة مثل الذهب، تحسّباً لتقلبات مستقبلية محتملة في السياسات الاقتصادية والنقدية.
3- ضعف الدولار وتراجع عوائد السندات
الذهب يُسعَّر بالدولار الأمريكي، وبالتالي فإنّ أي تراجع في قيمة العملة الخضراء يترجم مباشرة إلى دعم لأسعار الذهب، إذ يصبح المعدن أقل تكلفة للمستثمرين الحائزين لعملات أخرى.
وفي الأيام الأخيرة، أدّت التلميحات بخفض الفائدة، إلى جانب الجدل السياسي، إلى تراجع مؤشر الدولار (DXY)، بالتوازي مع انخفاض طفيف في عوائد سندات الخزانة الأمريكية، خصوصاً لأجل عشر سنوات، والتي دارت حول مستوى 4.26%. هذا الانخفاض عزّز من جاذبية الذهب مقارنة بالأدوات المالية ذات العائد الثابت.
4- العوامل النفسية وسلوك الأسواق
لا يمكن إغفال دور العامل النفسي في الأسواق المالية. الأخبار السياسية المفاجئة، إلى جانب التوقعات النقدية المتغيّرة، خلقت حالة من التدافع السريع نحو مراكز الشراء في الذهب، سواء للتحوّط من المخاطر أو للاستفادة من الزخم الصعودي قصير الأجل.
مستويات الدعم والمقاومة
من الناحية الفنية، يراقب المستثمرون مستويات محورية يمكن أن تحدّد الاتجاه في الأمد القريب:
مستويات المقاومة:
3,400 دولار: الحاجز النفسي الأهم حالياً، واختراقه بإغلاق يومي واضح يعزّز احتمالات الصعود نحو مستويات أعلى.
3,450 دولار: الهدف التالي في حال تزايد الزخم الشرائي وتأكيد تخفيض الفائدة.
3,500 دولار: الحاجز الاستراتيجي الذي قد يفتح الباب أمام قمم تاريخية جديدة إذا توافرت العوامل الأساسية الداعمة.
مستويات الدعم:
3,370 – 3,365 دولاراً: دعم فوري قصير الأجل، تماسكه يبقي الاتجاه الصاعد قائماً.
3,340 – 3,330 دولاراً: منطقة دعم أوسع، وكسرها قد يدفع الأسعار نحو 3,300 دولار وربما أدنى في حالة غياب المحفزات الإيجابية.
السيناريوهات المتوقعة للأيام القادمة
السيناريو الصاعد (الأكثر ترجيحاً)
إذا أقدم الاحتياطي الفيدرالي على خفض الفائدة في سبتمبر، أو صدرت بيانات اقتصادية ضعيفة تؤكد الحاجة إلى تيسير السياسة النقدية، فإنّ الذهب مرشّح لاختراق مستوى 3,400 دولار، مع استهداف تدريجي لمستويات 3,450 و3,500 دولار، بدعم من ضعف الدولار وتراجع العوائد الحقيقية.
السيناريو التصحيحي
في المقابل، إذا جاءت بيانات التضخم أو الوظائف الأمريكية قوية على نحو غير متوقع، ما قد يقلّص احتمالات خفض الفائدة، فقد يتعرّض الذهب لضغوط بيعية تدفعه للتراجع نحو مستويات 3,365 ثم 3,340 دولاراً وربما اختبار 3,300 دولار إذا تزايدت الضغوط.
السيناريو المتقلب سياسياً
إذا استمر الجدل حول محاولة إقالة Lisa Cook أو تفاقمت التوترات السياسية، فقد نشهد تقلبات حادة صعوداً وهبوطاً، لكن من المرجّح أن يبقى الذهب مدعوماً على المدى المتوسط باعتباره ملاذاً آمناً في أوقات الغموض.
وعليه
يبدو أنّ الذهب يقف حالياً عند مفترق طرق حاسم، تحكمه في آنٍ واحد عوامل السياسة النقدية والمخاطر السياسية. السيناريو الأكثر ترجيحاً، في ضوء المعطيات الحالية، هو استمرار الاتجاه الصاعد إذا ما تزايدت رهانات خفض الفائدة، مع مراقبة لصيقة لمستوى 3,400 دولار كمفتاح فني أساسي.
بالنسبة للمستثمرين متوسطَي الأجل، يمكن النظر إلى أي تراجع نحو مستويات 3,340 – 3,365 دولاراً كفرصة للشراء التدريجي، مع وضع أوامر إيقاف الخسارة أسفل 3,300 دولار تحسباً لأي انعكاسات غير متوقعة في البيانات الاقتصادية أو السياسية.
أما المتداولون قصيرو الأجل، فعليهم متابعة البيانات الأمريكية المرتقبة وخطابات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، إذ ستكون المحرك الرئيسي للأسعار في الأمد القريب.
