الذهب يلمع والدولار يتراجع: الفيدرالي الأميركي أمام اختبار القرن

تم النشر 07/09/2025, 18:56

تحولات الكبرى

تعيش الأسواق العالمية لحظة فارقة لا تشبه ما سبقها منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، وربما حتى منذ انهيار "بريتون وودز" في السبعينيات. السبب ليس حدثاً واحداً، بل مزيج معقد من بيانات اقتصادية أميركية هشة، توقعات متسارعة بخفض أسعار الفائدة، وانعطافة استراتيجية في مسار الدولار الأميركي والذهب معاً.

إنها لحظة تضع المستثمرين، وصنّاع القرار، وحتى الحكومات، أمام سؤال جوهري: إلى أين يتجه الاقتصاد العالمي إذا خسر الدولار جاذبيته التاريخية، بينما يواصل الذهب استعادة بريقه كملاذٍ لا يعرف الزمن؟

بيانات أميركية مربكة.. ثقة تهتز

أحدث تقارير سوق العمل الأميركي كان بمثابة ناقوس خطر. الولايات المتحدة، التي لطالما قدّمت نفسها باعتبارها المحرك الأول للتوظيف والنمو، أضافت في أغسطس الماضي 22 ألف وظيفة فقط، مقابل توقعات عند 150 ألفاً. الفرق هائل، ليس فقط في الأرقام، بل في دلالاته العميقة.

أكثر من 86 ألف حالة تسريح في الشركات الأميركية خلال شهر واحد هي الأعلى منذ جائحة كورونا. هذه الأرقام لا تُقرأ بمعزل عن تراجع ثقة المستهلك، وانكماش الاستثمارات الخاصة، وتباطؤ الطلب الخارجي. إنها صورة اقتصاد يتباطأ أمام أعين الجميع، رغم سنوات من السياسات النقدية التوسعية والإنفاق الحكومي الهائل.

المستثمرون قرأوا الرسالة سريعاً: الفيدرالي الأميركي لم يعد قادراً على التمسك بسياسة الفائدة المرتفعة. النتيجة؟ الأسواق تضع الآن سيناريوهات لثلاثة تخفيضات محتملة في أسعار الفائدة قبل نهاية 2025، قد تبدأ اعتباراً من اجتماعات سبتمبر أو أكتوبر المقبلة.

الذهب.. العائد الأبدي

الذهب ليس مجرد معدن، إنه ذاكرة اقتصادية جماعية. كل أزمة كبرى، كل اهتزاز في العملات، كل لحظة غموض سياسي أو اقتصادي، يجد المستثمرون أنفسهم عائدين إليه.

اليوم، ومع تراجع العوائد الحقيقية على السندات الأميركية، يجد الذهب فرصة ذهبية للانطلاق. فالمعادلة بسيطة: حين تتراجع الفائدة، ويضعف الدولار، يصبح الذهب أكثر جاذبية لأنه لا يحمل عائداً ثابتاً، لكنه يحتفظ بقيمة أبدية.

ارتفع المعدن الأصفر بأكثر من 4% منذ بداية أغسطس، فيما تشير التقديرات إلى إمكانية اختباره مستوى 2,500 دولار للأونصة خلال 2025. بنوك استثمارية كبرى توقعت نطاقاً بين 2,350 و2,550 دولاراً، وهو ما يعكس يقيناً متزايداً بأن الذهب سيبقى المستفيد الأول من تحولات السياسة النقدية الأميركية.

لكن القصة لا تتوقف عند الأسعار. الذهب يتحول تدريجياً من مجرد أصل استثماري إلى أداة استراتيجية في موازين القوى العالمية. بنوك مركزية في آسيا والشرق الأوسط تواصل تعزيز احتياطياتها منه، كجزء من عملية إعادة تشكيل النظام المالي الدولي بعيداً عن هيمنة الدولار.

الدولار.. من حصن القوة إلى موضع الشك

الدولار الأميركي، الذي شكّل العمود الفقري للنظام المالي العالمي منذ الحرب العالمية الثانية، يعيش الآن مرحلة دفاعية صعبة. ليس لأنه فقد دوره كعملة احتياط أولى، فهذا التحول يحتاج عقوداً، بل لأنه فقد جاذبيته النسبية أمام عملات أخرى مدعومة بسياسات نقدية أكثر تشدداً.

انخفاض مؤشر الدولار (DXY) بنسبة 1.8% في شهر واحد يعكس هشاشة غير معتادة. وللمرة الأولى منذ سنوات، يتحدث كبار محللي العملات عن مسار هابط متوسط المدى للعملة الأميركية، مع احتمالات ارتدادات قصيرة لا تغيّر الاتجاه العام.

الأمر لا يتعلق بالفائدة وحدها. إنما أيضاً بميزانية حكومية متضخمة، دين عام يقترب من مستويات غير مسبوقة، وتراجع الثقة الدولية بسياسات واشنطن الاقتصادية. في هذه الأجواء، أي خفض سريع للفائدة لن يُقرأ كدعم للنمو، بل كإشارة ضعف تكشف عمق الأزمة.

الأسهم والسندات بين الرهان والقلق

أسواق الأسهم الأميركية، خصوصاً شركات التكنولوجيا، استقبلت أنباء التوجه نحو خفض الفائدة بترحيب واسع. مؤشر «ناسداك» ارتفع 3% في أسبوع واحد، وهو ما يعكس توق المستثمرين إلى سيولة جديدة.

لكن الوجه الآخر يظهر في سوق السندات. صحيح أن عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات تراجعت إلى 3.9%، إلا أن القلق من تضخم متجدد وإصدارات دين مرتفعة يحد من شهية المستثمرين. هنا تحديداً يكمن خطر سوء التقدير: إذا استمر الفيدرالي في التيسير النقدي بينما ظل التضخم عالقاً فوق 3%، فإن السوق قد يجد نفسه أمام معضلة "الركود التضخمي".

الركود التضخمي.. شبح السبعينيات يعود

السيناريو الذي يخشاه الجميع هو أن يتراجع النمو دون أن ينخفض التضخم بالقدر المطلوب. عندها يدخل الاقتصاد الأميركي والعالمي معاً في فخ الركود التضخمي: بطالة مرتفعة، نمو متباطئ، وتكاليف معيشة مرتفعة بلا هوادة.

هذا السيناريو، الذي عرفه العالم في سبعينيات القرن الماضي، كان سبباً رئيسياً في انطلاقة سابقة للذهب وتراجع حاد للدولار. هل يعيد التاريخ نفسه؟ المؤشرات الحالية تقول إن الخطر قائم، وإن الفيدرالي الأميركي يقف أمام اختبار القرن: كيف يوازن بين الحاجة إلى دعم الاقتصاد وتجنب انفلات الأسعار؟

الذهب مقابل الدولار: معركة رمزية وعملية

المفارقة أن الذهب والدولار يسيران في اتجاهين متعاكسين لا ينفصلان. الأول يزداد قوة كلما ضعُف الثاني. هذه العلاقة التاريخية ليست مجرد توازن أسعار، بل انعكاس لمعادلة أعمق: الثقة.

  • حين يثق المستثمرون في قدرة الدولار على الحفاظ على قوته الشرائية، يتراجع الذهب.
  • وحين تهتز هذه الثقة، يندفع الجميع نحو المعدن الأصفر.

اليوم، نحن بوضوح في المرحلة الثانية. ضعف بيانات التوظيف، توقعات خفض الفائدة، وتراجع العوائد الحقيقية، كلها عوامل تجعل الثقة بالدولار أقل صلابة. النتيجة: الذهب يلمع أكثر، لا كمعدن، بل كرمز للأمان في زمن الاضطراب.

ذهب الشرق مقابل دولار الغرب

لا يمكن قراءة ما يجري في الأسواق بمعزل عن التحولات الجيوسياسية. الصين تواصل بناء احتياطياتها الذهبية بوتيرة متسارعة. روسيا، بعد العقوبات الغربية، وجدت في الذهب وسيلة لتحصين اقتصادها بعيداً عن هيمنة الدولار. دول الخليج، التي تدير فوائض نفطية هائلة، تتجه بدورها إلى تنويع أصولها بعيداً عن العملة الأميركية.

هذه الاتجاهات لا تعني أن الدولار سيسقط غداً. لكنه يعني أن المشهد المالي العالمي يدخل مرحلة إعادة توازن قد تستغرق سنوات، يكون فيها الذهب المستفيد الأكبر.

الحذر قبل الطمع

بالنسبة للمستثمرين الأفراد والمؤسسات، الرسالة واضحة: الذهب يبقى خياراً استراتيجياً، لكنه ليس ضمانة مطلقة. أسعار المعدن النفيس عرضة لتقلبات قصيرة المدى مرتبطة بالسيولة والمضاربات.

أما الدولار، فرغم ضغوطه الحالية، يبقى العملة الاحتياطية الأولى في العالم. لكن تجاهله تماماً سيكون خطأ استراتيجياً. الأفضل هو التنويع الذكي، وعدم الارتهان الكامل لاتجاه واحد، سواء كان ذهباً لامعاً أو دولاراً متراجعاً.

اختبار الفيدرالي

في النهاية، كل المسارات تعود إلى سؤال واحد: ماذا سيفعل الاحتياطي الفيدرالي الأميركي؟

  • إذا خفّض الفائدة سريعاً، قد ينقذ النمو قصير المدى، لكنه يهدد بانفجار تضخمي.
  • إذا تباطأ في التخفيض، قد يفاقم الركود ويرفع البطالة.
  • وفي كلتا الحالتين، سيبقى الذهب المستفيد الأكبر، والدولار في موقف دفاعي.

إنه اختبار القرن، ليس فقط للاقتصاد الأميركي، بل للنظام المالي العالمي بأسره. العالم يراقب، الأسواق تتحرك، والذهب يلمع في صمت، كأنه يذكّر الجميع بحقيقة قديمة: في زمن الاضطراب، لا شيء يعلو على الملاذ الأبدي.

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.