تخارج من صفقة بعد صعود 189%..إليكم قائمة صفقات فبراير الآن من ProPicksAI
الفيدرالي والمستقبل
د. محمد جميل الشبشيري
يترقب المستثمرون والأسواق العالمية باهتمام بالغ اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي هذا الأسبوع، ليس فقط لقرار السياسة النقدية المتوقع، والذي يشير إلى خفض محتمل في أسعار الفائدة، بل الأهم من ذلك هو البحث عن إشارات واضحة حول المخاوف المستقبلية التي تشغل بال الفيدرالي. في تعليقه الصباحي سلط بول دونوفان من UBS، الضوء على عدة عوامل رئيسية قد تؤثر في تفكير الفيدرالي، بدءًا من حالة سوق العمل وصولاً إلى اتجاهات الاستثمار الشركاتي ودور الدولار الأمريكي في الاحتياطيات العالمية. يهدف هذا المقال إلى تحليل هذه النقاط بعمق، مستعرضًا التحديات والاعتبارات التي قد يواجهها صناع القرار في البنك المركزي الأمريكي وهم يرسمون مسار السياسة النقدية للمستقبل.
ضعف سوق العمل والبطالة المؤقتة
أظهرت أحدث بيانات مطالبات البطالة الأولية ضعفًا ملحوظًا في سوق العمل الأمريكي. هذه البيانات، التي تُعد مؤشرًا حيويًا على صحة الاقتصاد، تشير إلى زيادة في عدد الأفراد الذين يتقدمون بطلبات للحصول على إعانات البطالة. ومع ذلك، من الضروري التمييز بين أنواع التسريحات التي تحدث. يشير بول دونوفان إلى أن جزءًا من هذه التسريحات قد يكون بطالة مؤقتة، وليست دائمة. على سبيل المثال، قد تقوم شركات معينة، مثل شركات صناعة السيارات، بتسريح العمال مؤقتًا بسبب نقص في قطع الغيار أو اضطرابات في سلاسل الإمداد. في مثل هذه الحالات، يتوقع العمال العودة إلى وظائفهم بمجرد حل المشكلة الأساسية.
تختلف البطالة المؤقتة عن البطالة الهيكلية أو الدورية في تأثيرها على المستهلكين والاقتصاد ككل. ففي حين أن البطالة الدائمة يمكن أن تؤدي إلى تدهور كبير في القوة الشرائية للمستهلكين وتراجع الإنفاق، فإن البطالة المؤقتة غالبًا ما تكون أقل تأثيرًا. يمكن للمستهلكين في هذه الحالات التكيف بشكل أسهل مع الوضع، ربما من خلال الاعتماد على المدخرات أو إعانات البطالة لفترة قصيرة، مع توقع استئناف دخلهم قريبًا. هذا التمييز مهم للفيدرالي عند تقييم مدى خطورة ضعف سوق العمل وتأثيره على التضخم والنمو الاقتصادي. إذا كانت الغالبية العظمى من التسريحات مؤقتة، فقد يكون تأثيرها السلبي على الاقتصاد أقل حدة مما لو كانت التسريحات دائمة وواسعة النطاق.
اتجاهات الاستثمار الشركاتي
إلى جانب سوق العمل، قد يولي الاحتياطي الفيدرالي اهتمامًا خاصًا لاتجاهات الاستثمار الشركاتي، وخاصة الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI). يُعد الاستثمار المباشر محركًا رئيسيًا للنمو الاقتصادي، حيث يساهم في خلق فرص العمل، ونقل التكنولوجيا، وزيادة الإنتاجية. في هذا السياق، أشار بول دونوفان إلى أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب استخدم وسائل التواصل الاجتماعي في السابق لنشر دعوة للاستثمار الأجنبي المباشر في الولايات المتحدة، مما يعكس الأهمية التي توليها الإدارات الأمريكية لجذب رؤوس الأموال الأجنبية.
شهدت الولايات المتحدة ذروة في عمليات بناء المصانع العام الماضي (2024)، مما يعكس اهتمامًا متزايدًا بتعزيز القدرة التصنيعية المحلية وإعادة توطين سلاسل الإمداد . هذا التوجه نحو الاستثمار في البنية التحتية الصناعية يُنظر إليه على أنه إيجابي للاقتصاد على المدى الطويل. ومع ذلك، فإن هناك عوامل قد تعرقل هذا الزخم. فقد أشارت تقارير وسائل الإعلام الكورية الجنوبية مؤخرًا إلى مخاوف بشأن معاملة المواطنين الكوريين في الولايات المتحدة، مما قد يثني الشركات الكورية الجنوبية عن الاستثمار المباشر في السوق الأمريكية . مثل هذه التقارير يمكن أن تؤثر سلبًا على قرارات الاستثمار الأجنبي، خاصة من الدول التي تُعد مصادر رئيسية للاستثمار الأجنبي المباشر.
إن الحفاظ على بيئة جاذبة للاستثمار الأجنبي المباشر أمر بالغ الأهمية ليس فقط للنمو الاقتصادي، ولكن أيضًا لمواجهة التحديات الأخرى التي تواجه الاقتصاد الأمريكي، مثل تراجع حصة الدولار الأمريكي في احتياطيات العملات الأجنبية العالمية. فالاستثمار المباشر يمكن أن يعزز الثقة في الاقتصاد الأمريكي ويدعم الطلب على الدولار، مما يساعد في الحفاظ على مكانته كعملة احتياطية عالمية مهيمنة.
تراجع حصة الدولار الأمريكي في احتياطيات العملات الأجنبية
يُعد تراجع حصة الدولار الأمريكي في احتياطيات العملات الأجنبية العالمية أحد التحديات الهيكلية التي قد يضعها الاحتياطي الفيدرالي في اعتباره عند صياغة سياسته المستقبلية. على الرغم من أن الدولار لا يزال العملة الاحتياطية الأبرز عالميًا، إلا أن حصته تراجعت تدريجيًا من ذروتها البالغة 72% في عام 2001 . هذا التراجع مدفوع بعدة عوامل، أبرزها جهود البنوك المركزية لتنويع احتياطياتها من العملات الأجنبية ، بالإضافة إلى ما يُعرف بـ “تسليح” الدولار، حيث تم استخدام العقوبات الاقتصادية المرتبطة بالدولار كأداة سياسية، مما دفع بعض الدول للبحث عن بدائل .
يمكن أن يساهم الاستثمار المباشر، سواء المحلي أو الأجنبي، في مواجهة هذا التراجع من خلال تعزيز قوة الاقتصاد الأمريكي وجاذبيته. فالاقتصاد القوي الذي يجذب الاستثمارات يميل إلى دعم عملته الوطنية. ومع ذلك، فإن العوامل الجيوسياسية والاقتصادية الأوسع تلعب دورًا حاسمًا في تحديد مكانة أي عملة كاحتياطي عالمي. على سبيل المثال، أظهرت بيانات حديثة أن الرنمينبي الصيني، على الرغم من كونه عملة احتياطية، قد شهد تراجعًا في حصته منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، مما يشير إلى تعقيدات المشهد الجيوسياسي .
بالنسبة للفيدرالي، فإن الحفاظ على استقرار الدولار ومكانته العالمية ليس مجرد هدف مالي، بل هو عامل استراتيجي يؤثر على قدرة الولايات المتحدة على ممارسة نفوذها الاقتصادي والسياسي. لذلك، فإن أي سياسة نقدية مستقبلية يجب أن تأخذ في الاعتبار هذه الديناميكيات المعقدة، وأن تسعى إلى تعزيز الثقة في الاقتصاد الأمريكي وعملته.
الخلاصة
في الختام، يتضح أن قرار الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة هذا الأسبوع، وتوجيهاته المستقبلية، لن يكون مجرد استجابة لبيانات اقتصادية فردية، بل هو نتاج تحليل معقد لمجموعة واسعة من العوامل المترابطة. كما أشار بول دونوفان، فإن الفيدرالي ينظر إلى ما هو أبعد من مجرد خفض متوقع لأسعار الفائدة، مركزًا على المخاوف المستقبلية التي تشمل ديناميكيات سوق العمل، واتجاهات الاستثمار الشركاتي، ومكانة الدولار الأمريكي في النظام المالي العالمي.
إن التمييز بين البطالة المؤقتة والدائمة، ومراقبة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وفهم الأسباب الكامنة وراء تراجع حصة الدولار في الاحتياطيات الأجنبية، كلها عناصر حاسمة في تشكيل السياسة النقدية. تهدف هذه السياسات إلى تحقيق أقصى قدر من التوظيف، واستقرار الأسعار، والحفاظ على النمو الاقتصادي المستدام. ومع استمرار تطور المشهد الاقتصادي العالمي، سيظل الفيدرالي يواجه تحديات تتطلب نهجًا مرنًا وشاملاً لضمان الاستقرار والازدهار.
