المحكمة العليا والاقتصاد الأميركي: صراع الصلاحيات على أبواب مرحلة جديدة

تم النشر 15/09/2025, 20:25

المحكمة العليا والاقتصاد الأميركي: صراع الصلاحيات على أبواب مرحلة جديدة

منذ تأسيس الولايات المتحدة، ظل الدستور الأميركي حجر الزاوية في تحديد موازين القوى بين المؤسسات الثلاث: السلطة التشريعية، السلطة التنفيذية، والسلطة القضائية. وقد شهد التاريخ الأميركي محطات مفصلية أعادت رسم حدود النفوذ بين هذه السلطات، بدءًا من أزمة الحرب الأهلية وصولاً إلى أزمات الحرب الباردة وأحداث 11 سبتمبر. لكننا اليوم أمام محطة جديدة لا تقل حساسية: نزاع دستوري يتعلق بالرسوم الجمركية وصلاحيات فرضها، يضع الرئيس والكونغرس والمحكمة العليا في قلب مواجهة تتجاوز الطابع الاقتصادي البحت إلى عمق التوازن المؤسسي في النظام الأميركي.

خلفية النزاع: ترامب والرسوم الاستثنائية

الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب لطالما جعل من الرسوم الجمركية أداة سياسية واقتصادية في آن واحد. فمنذ دخوله البيت الأبيض، رفع شعار "أميركا أولاً"، وجعل من فرض الرسوم على الواردات -خصوصاً من الصين- أداة لتحقيق أهدافه المزدوجة: حماية الصناعة المحلية وزيادة إيرادات الخزانة.

لكن ما بدأ كإجراء اقتصادي، سرعان ما تحوّل إلى جدل دستوري واسع. ترامب لم يكتف باستخدام الصلاحيات التقليدية الممنوحة للرئيس في مسائل التجارة، بل لجأ إلى قوانين طوارئ قديمة تتيح للرئيس التدخل بشكل واسع في حال وجود تهديد خارجي أو أزمة اقتصادية. وهنا بدأت المشكلة: هل يملك الرئيس حق فرض ضرائب ورسوم جديدة دون العودة إلى الكونغرس، أم أن هذا الحق يظل حصرياً بيد السلطة التشريعية كما نص عليه الدستور صراحة؟

المحكمة العليا تدخل على الخط

اليوم، تقف المحكمة العليا أمام استئناف قدمته إدارة ترامب ضد أحكام محاكم أدنى درجة اعتبرت إجراءاته غير دستورية. فالمسألة لم تعد مجرد نزاع حول بضع نقاط مئوية من الرسوم الجمركية، بل باتت مرتبطة بتفسير مدى اتساع أو ضيق صلاحيات الرئيس في المجال الاقتصادي.

السؤال المطروح أمام القضاة ليس فنياً فقط، بل دستوري بامتياز: هل يمكن للرئيس، استناداً إلى إعلان حالة طوارئ اقتصادية أو أمنية، أن يفرض رسوماً جمركية وضرائب تتجاوز ما خوله به الكونغرس؟ وإذا أجابت المحكمة بنعم، فهذا يعني ترسيخ مبدأ جديد قد يفتح الباب واسعاً أمام استخدام السلطة التنفيذية لأدوات مالية طالما كانت من صميم اختصاص التشريعي.

الأبعاد الاقتصادية للنزاع

الأمر لا يقتصر على نظرية دستورية أو جدل قانوني. فقرار المحكمة العليا سيترك أثره المباشر على الأسواق العالمية وعلى الاقتصاد الأميركي ذاته.

تقديرات مكتب الميزانية الأميركي أشارت إلى أن الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب قد تحقق إيرادات تصل إلى 3.9 تريليون دولار خلال العقد المقبل، أي ما يعادل 1% من الناتج المحلي الإجمالي. هذه أرقام ضخمة تجعل الرسوم الجمركية، إذا استمرت وتوسعت، بديلاً فعلياً لجزء من النظام الضريبي الأميركي التقليدي.

لكن في المقابل، يعرف الاقتصاديون أن الرسوم الجمركية سلاح ذو حدين. فهي قد توفر إيرادات إضافية، لكنها ترفع أسعار السلع، وتزيد من كلفة الإنتاج، وتؤدي إلى ردود فعل انتقامية من الشركاء التجاريين. التجربة مع الصين خير دليل، حيث ردت بكين بفرض رسوم مضادة، ما أثار سلسلة من التوترات التي عطّلت سلاسل الإمداد العالمية وأثرت على الشركات الأميركية نفسها.

الأبعاد السياسية: صراع بين المؤسسات

إذا كانت الأبعاد الاقتصادية واضحة نسبياً، فإن البعد السياسي والدستوري أكثر خطورة. الدستور الأميركي منح الكونغرس سلطة حصرية في فرض الضرائب وتنظيم التجارة الخارجية. لكن على مدى العقود الماضية، قام الكونغرس بتفويض بعض هذه الصلاحيات للرئيس عبر قوانين خاصة، مثل قانون التجارة لعام 1974. ومع ذلك، ظل هذا التفويض محدوداً ومشروطاً.

اليوم، يسعى ترامب ومن خلفه تيار واسع داخل الحزب الجمهوري إلى توسيع هذا التفويض ليصبح أشبه بصلاحية مفتوحة. فإذا وافقت المحكمة العليا على هذا التفسير، فإن ميزان القوى سيتغير بشكل جذري. وسيصبح بإمكان الرئيس، أياً كان، أن يستخدم الرسوم الجمركية والضرائب التجارية كأداة سياسية دون العودة إلى الكونغرس في كل مرة.

الأسواق بين القلق والترقب

الأسواق المالية بطبيعتها لا تحب الغموض. وكلما اقترب موعد قرار المحكمة، زاد الترقب وارتفعت مستويات التذبذب. المستثمرون يتساءلون: هل نحن أمام حقبة جديدة يتحول فيها الرئيس الأميركي إلى لاعب أساسي في رسم السياسة الاقتصادية المباشرة عبر الضرائب والرسوم؟ أم أن المحكمة ستضع حداً لهذا التوجه وتعيد التوازن إلى مكانه الطبيعي؟

جو يرق، رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets، أشار في تصريحات إعلامية إلى أن ترامب ليس بحاجة فعلياً إلى المحكمة العليا كي يفرض رسوماً معينة، لأن القانون الأميركي يمنحه صلاحيات محدودة للقيام بذلك. لكن إذا جاء قرار المحكمة لصالحه، فإن ذلك سيعني تعزيز سلطته السياسية والمعنوية، ومنحه أداة تفاوضية قوية في الداخل والخارج على حد سواء.

الدستور بين النص والتفسير

من الناحية الدستورية، المسألة أكثر تعقيداً مما يبدو. فالمحكمة العليا ليست مشرّعاً جديداً، بل جهة تفسر القوانين القائمة. ولذلك، فإن قرارها لن يخلق صلاحيات جديدة للرئيس، بل سيحدد مدى اتساع الصلاحيات التي منحها الكونغرس سابقاً. وهذا الفارق جوهري: ففي حال وافقت المحكمة على موقف ترامب، فإنها ستكرس عملياً أن ما قام به يدخل ضمن التفويض الممنوح له، حتى لو لم ينص الدستور صراحة على ذلك.

ميشال صليبي، رئيس قسم الأسواق المالية في شركة FXPro، أوضح أن القضية ليست "نقلاً لصلاحيات جديدة" بقدر ما هي "تفسير أوسع" للتفويض القائم. وهذا التفسير قد يغيّر عملياً من طبيعة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في ملف التجارة، لكن دون أن يتجاوز الإطار الدستوري العام.

التداعيات الدولية: العالم يترقب

ما يجري داخل أروقة المحكمة العليا الأميركية لا يعني الداخل الأميركي فقط. فقرارها المرتقب سيؤثر بشكل مباشر على التجارة العالمية. الاتحاد الأوروبي، الصين، اليابان، وكبرى الاقتصادات الناشئة تتابع عن كثب. أي توسع في صلاحيات الرئيس الأميركي لفرض الرسوم قد يفتح الباب أمام حقبة جديدة من الحروب التجارية. وقد نشهد سباقاً عالمياً لفرض رسوم وحواجز تجارية، ما سيقوض النظام التجاري الدولي القائم على قواعد منظمة التجارة العالمية.

الأمر إذن ليس شأناً داخلياً محضاً، بل قضية ذات طابع عالمي قد تعيد رسم خريطة التجارة الدولية لعقود قادمة.

لحظة اختبار للنظام الأميركي

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد نزاع قانوني حول رسوم فرضها رئيس سابق. نحن أمام لحظة اختبار تاريخية للنظام الأميركي ذاته. فالمحكمة العليا، عبر قرارها المنتظر، ستحدد إن كان ميزان القوى سيظل بيد الكونغرس كما نص الدستور، أم أن الرئيس سيحصل على مساحة أوسع لممارسة سلطته المالية والاقتصادية.

في كل الأحوال، سيكون لهذا القرار أثر بالغ على الاقتصاد والسياسة معاً. وإذا كان التاريخ الأميركي قد علمنا شيئاً، فهو أن القرارات المفصلية لا تُقاس بتأثيرها المباشر فقط، بل بما تؤسس له من سوابق وقواعد قد تعيد تشكيل مستقبل الأمة لعقود طويلة.

إننا أمام معركة دستورية بامتياز، تتقاطع فيها السياسة مع الاقتصاد، وتتجاوز حدود واشنطن لتصل إلى طوكيو وبروكسل وبكين. والقرار المنتظر من المحكمة العليا قد لا يكون مجرد حكم قضائي، بل إعلان عن بداية فصل جديد في الصراع الأزلي على السلطة داخل أكبر ديمقراطية في العالم.

أحدث التعليقات

قم بتثبيت تطبيقاتنا
تحذير المخاطر: ينطوي التداول في الأدوات المالية و/ أو العملات الرقمية على مخاطر عالية بما في ذلك مخاطر فقدان بعض أو كل مبلغ الاستثمار الخاص بك، وقد لا يكون مناسبًا لجميع المستثمرين. فأسعار العملات الرقمية متقلبة للغاية وقد تتأثر بعوامل خارجية مثل الأحداث المالية أو السياسية. كما يرفع التداول على الهامش من المخاطر المالية.
قبل اتخاذ قرار بالتداول في الأدوات المالية أو العملات الرقمية، يجب أن تكون على دراية كاملة بالمخاطر والتكاليف المرتبطة بتداول الأسواق المالية، والنظر بعناية في أهدافك الاستثمارية، مستوى الخبرة، الرغبة في المخاطرة وطلب المشورة المهنية عند الحاجة.
Fusion Media تود تذكيرك بأن البيانات الواردة في هذا الموقع ليست بالضرورة دقيقة أو في الوقت الفعلي. لا يتم توفير البيانات والأسعار على الموقع بالضرورة من قبل أي سوق أو بورصة، ولكن قد يتم توفيرها من قبل صانعي السوق، وبالتالي قد لا تكون الأسعار دقيقة وقد تختلف عن السعر الفعلي في أي سوق معين، مما يعني أن الأسعار متغيرة باستمرار وليست مناسبة لأغراض التداول. لن تتحمل Fusion Media وأي مزود للبيانات الواردة في هذا الموقع مسؤولية أي خسارة أو ضرر نتيجة لتداولك، أو اعتمادك على المعلومات الواردة في هذا الموقع.
يحظر استخدام، تخزين، إعادة إنتاج، عرض، تعديل، نقل أو توزيع البيانات الموجودة في هذا الموقع دون إذن كتابي صريح مسبق من Fusion Media و/ أو مزود البيانات. جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة من قبل مقدمي الخدمات و/ أو تبادل تقديم البيانات الواردة في هذا الموقع.
قد يتم تعويض Fusion Media عن طريق المعلنين الذين يظهرون على الموقع الإلكتروني، بناءً على تفاعلك مع الإعلانات أو المعلنين.
تعتبر النسخة الإنجليزية من هذه الاتفاقية هي النسخة المُعتمدَة والتي سيتم الرجوع إليها في حالة وجود أي تعارض بين النسخة الإنجليزية والنسخة العربية.
© 2007-2026 - كل الحقوق محفوظة لشركة Fusion Media Ltd.