جدل بين الثيران والدببة حول حكم المحكمة العليا بشأن التعريفات الجمركية يوم الجمعة
في عالم المال، يُروى عن الذهب دائماً نفس الحكاية: إنه الملاذ الآمن، درع التحوط من التضخم، والأصل الذي لا يفنى في أوقات الأزمات. وعندما ترتفع أسعاره، يزداد بريقه في عيون المستثمرين. لكن لكل قصة وجه آخر، والذهب ليس استثناءً. فما الذي يكمن خلف هذا البريق؟ وما هي الحقائق التي لا تُروى غالباً عن المعدن الأصفر؟
1. الذهب ليس استثماراً... بل تأمين باهظ الثمن
أول حقيقة صادمة للكثيرين هي أن الذهب، بالمعنى الدقيق، ليس استثماراً. فالاستثمار الحقيقي يولد قيمة أو تدفقاً نقدياً: الأسهم توزع أرباحاً، العقارات تدر إيجاراً، والسندات تدفع فائدة. أما الذهب، فهو أصل "خامل" (Unproductive Asset). قطعة الذهب التي تشتريها اليوم ستبقى نفس قطعة الذهب بعد عشر سنوات، لن تنتج شيئاً ولن تتكاثر.
-
الوجه الآخر: أنت لا تشتري الذهب ليحقق لك دخلاً، بل تشتريه كبوليصة تأمين ضد الكوارث الاقتصادية. ومثل أي بوليصة تأمين، لها تكلفة. تكلفتها ليست فقط سعر الشراء، بل أيضاً "تكلفة الفرصة البديلة" — أي العوائد التي كنت ستحققها لو استثمرت هذا المال في أصل منتج.
2. "مخزن القيمة" ليس مضموناً دائماً
صحيح أن الذهب حافظ على قيمته عبر آلاف السنين، لكن رحلته لم تكن سلسة أبداً. من يروج للذهب يميل إلى عرض الرسوم البيانية طويلة الأمد، متجاهلاً فترات الركود الطويلة والمؤلمة.
-
الوجه الآخر: من اشترى الذهب في ذروة عام 1980 (حوالي 850 دولاراً للأونصة) اضطر للانتظار 28 عاماً، حتى عام 2008، ليرى أمواله تعود إلى نفس القيمة الاسمية (دون احتساب التضخم). وفي مثال أحدث، من اشترى في قمة 2011 انتظر ما يقرب من عقد من الزمان لكسر هذا المستوى. الذهب يمكن أن يكون استثماراً محبطاً للغاية لمن يدخل في الوقت الخطأ.
3. التكاليف الخفية التي تلتهم الأرباح
امتلاك الذهب ليس مجانياً. بعكس الأسهم أو السندات الرقمية، يأتي الذهب المادي مع مجموعة من التكاليف الإضافية التي نادراً ما يتم الحديث عنها.
-
الوجه الآخر:
-
فروق الأسعار (Spread): عند شراء أو بيع الذهب المادي، هناك دائماً فارق بين سعر الشراء وسعر البيع يذهب إلى التاجر.
-
تكاليف التخزين: إذا كنت تملك كمية كبيرة، ستحتاج إلى خزنة آمنة في بنك، وهذا له رسوم سنوية.
-
التأمين: حماية ممتلكاتك من الذهب ضد السرقة أو الضياع تتطلب تكاليف تأمين إضافية.
-
صعوبة التسييل: بيع سبيكة ذهب ليس بسهولة بيع سهم عبر تطبيق على هاتفك. يتطلب الأمر إيجاد مشترٍ موثوق وإجراءات تحقق قد تكون معقدة.
4. هل هو حقاً أفضل وسيلة للتحوط من التضخم؟
العلاقة بين الذهب والتضخم أكثر تعقيداً مما تبدو. صحيح أنه يعمل بشكل جيد خلال فترات التضخم المرتفع والمفاجئ، لكن أداءه يكون متفاوتاً في بيئات التضخم المعتدل.
-
الوجه الآخر: هناك أصول أخرى أثبتت قدرتها على التحوط من التضخم بفعالية، وأحياناً بشكل أفضل من الذهب. على سبيل المثال، الأسهم المرتبطة بالسلع الأساسية (مثل شركات الطاقة والمواد) والعقارات، كلاهما يميل إلى الارتفاع مع التضخم مع توفير ميزة إضافية وهي توليد الدخل.
الخلاصة: نظرة متوازنة
الهدف هنا ليس شيطنة الذهب، فهو بلا شك له دور مهم في المحافظ الاستثمارية كأداة تنويع وحماية في أوقات الفوضى العارمة. لكن "الوجه الآخر" للذهب يذكرنا بأنه ليس حلاً سحرياً خالياً من العيوب. إنه أصل متقلب، لا يدر عائداً، ومحاط بتكاليف خفية.
المستثمر الذكي لا يقع في حب أي أصل، بل يفهم نقاط قوته وضعفه. قبل أن تندفع وراء بريق الذهب، انظر إلى وجهه الآخر، وافهم التكلفة الحقيقية للأمان الذي تعتقد أنك تشتريه.
باسل عبيدات / متداول بالأسواق المالية العالمية
