عاجل: ارتفاع قوي لسعر الذهب مع افتتاح السوق العالمي بعد تعريفات ترامب
هل يترقّب الذهب موجة هبوط حادة؟
يشهد المشهد الاقتصادي والمالي العالمي حالة من الترقب والجدل الواسع حول مستقبل أسعار الذهب، وسط انتشار واسع لتوقعات تشير إلى احتمالية هبوط حاد في الأسعار، خاصة في ظل الحديث المتصاعد عن هدنة مرتقبة خلال الساعات القادمة.
لكن، إلى أي مدى يمكن اعتبار هذه التوقعات دقيقة؟ وما هي السيناريوهات المحتملة لأسعار الذهب على المدى القريب؟
في هذا المقال، نُسلّط الضوء على العوامل الاقتصادية والجيوسياسية التي تُشكّل البيئة الحالية لسوق الذهب، ونُحلل المسارات الفنية المحتملة، لنُجيب عن الأسئلة التي تؤرق الكثيرين: هل نشهد انهيارًا فعليًا؟ أم أنها مجرد تصحيحات طبيعية تفتح الباب أمام فرص شراء جديدة؟
أولاً: المشهد الاقتصادي العالمي
تُخيّم حالة من الضبابية وعدم اليقين على الأسواق العالمية خلال الأسبوع الحالي، في ظل تطورات أبرزها الحديث عن إغلاق حكومي أمريكيمحتمل، الأمر الذي يُعطّل إصدار البيانات الاقتصادية الرسمية ويُجبر المؤسسات على الاعتماد على التقديرات الداخلية، مما يزيد من تذبذب الأسواق ويُضعف دقة التوقعات.
هذه البيئة المتأزمة تدفع البنوك المركزية، وعلى رأسها الفيدرالي الأمريكي، إلى مراجعة استراتيجياتها النقدية.
وقد يكون لخطاب رئيس الاحتياطي الفيدرالي المنتظر هذا الأسبوع دور محوري في تحديد الاتجاه المستقبلي للسياسة النقدية، خاصة إذا تطرّق إلى تأثير الإغلاق الحكومي على معدلات التضخم، وإمكانية استمرار التيسير النقدي أو التوقف المؤقت بانتظار وضوح الرؤية.
ثانياً: التطورات الجيوسياسية والحديث عن الهدنة
على الجانب الجيوسياسي، تتصاعد التوقعات حول إمكانية التوصل إلى هدنة مرتقبة في أحد بؤر التوتر، وهي خطوة قد تُشكّل ضغطًا سلبيًا على الذهب بصفته ملاذًا آمنًا.
غير أن الاعتقاد بأن هذه الهدنة وحدها كفيلة بدفع الذهب إلى الانهيار يُعدّ تحليلًا سطحيًا.
فصعود الذهب في الأشهر الماضية لم يكن مرتبطًا فقط بالتوترات الجيوسياسية، بل جاء نتيجة تراكب عدة عوامل استراتيجية، من أبرزها:
التحول العالمي نحو خفض أسعار الفائدة، وهو أمر يصب مباشرة في مصلحة الذهب.
تراجع الثقة بالسياسات النقدية التقليدية في ظل التأرجح المستمر في معدلات التضخم.
الإقبال المتزايد من قبل دول مجموعة البريكس على شراء الذهب كوسيلة لفك الارتباط بالدولار الأمريكي.
استمرار حالة الغموض التجاري والرسوم الجمركية بين كبرى الاقتصادات العالمية.
زيادة الطلب من الأفراد والمستثمرين على الذهب لأغراض الادخار والتحوّط.
كل هذه العوامل تُشكّل بيئة داعمة لاستقرار الذهب، حتى في حال تحقق بعض التراجعات المؤقتة بسبب تطورات سياسية آنية.
ثالثاً: النظرة الفنية لأسعار الذهب
بالانتقال إلى الجانب الفني، يُظهر الرسم البياني للذهب استمرار تداولاته ضمن قناة صاعدة مدعومة بمؤشرات فنية إيجابية.
مستوى الدعم المحوري عند 3800 دولار للأونصة يُشكّل قاعدة ارتكاز مهمة.
اختراق مستوى 3900 دولار قد يُمهّد الطريق للوصول إلى 4000 ثم 4100 دولار.
الحديث عن فجوات سعرية ممكن مع افتتاح الأسواق، لكن طالما بقي الذهب متماسكًا فوق 3800 دولار، فإن السيناريو الصاعد لا يزال هو المرجّح.
أما في حال كسر هذا المستوى نزولًا، فقد نشهد تصحيحات نحو 3700 ثم 3600 دولار.
لكن لا مؤشرات حالية تدعم سيناريو “الانهيار”، بل إن التراجعات في هذه الحالة ستكون صحية وفرصًا لبناء مراكز شراء جديدة.
رابعاً: قراءة استراتيجية لشرائح المستثمرين
مع تباين أهداف المستثمرين واختلاف دوافعهم، يمكن رسم خريطة واضحة للتعامل مع الذهب في ظل المعطيات الحالية:
1. للمتداولين على المدى القصير:
تأكيد اختراق مستوى 3900 دولار قد يُمثل فرصة شرائية قصيرة الأجل تستهدف مستويات 3950 و4000 دولار.
أما التراجعات التي تبقى أعلى من 3800 دولار فتُعد فرصاً إضافية لبناء مراكز شراء، وليس للتخلي عنها.
2. للمستثمرين على المدى الطويل:
من يُخطط للاحتفاظ بالذهب لفترة طويلة (من 7 إلى 10 سنوات) بغرض الاستثمار الاستراتيجي، فإن المستويات الحالية مناسبة للشراء دون الالتفات إلى التذبذبات القصيرة الأجل، حيث تُعتبر هذه المستويات جذابة لبناء مركز ذهبي يُحافظ على القيمة الشرائية للنقد.
3. للمضاربين على النقد:
المضاربون الباحثون عن فرص قصيرة الأجل يُمكنهم استغلال كل تراجع طالما بقي الذهب فوق 3800 دولار، باعتباره فرصة للدخول في صفقات شرائية مؤقتة مع مراقبة مستويات الاختراق بعناية.
4. لمن يرغبون بالشراء بغرض الادخار:
من الأفضل التريث قليلاً وانتظار تصحيح محتمل، حيث من المرجّح أن تظهر فرص أفضل للشراء عند تراجعات محدودة.
5. لمن يخططون لبيع الذهب:
هناك حالتان يجب التفرقة بينهما:
إن كان البيع بغرض جني الأرباح بعد فترة استثمارية طويلة، فالمستويات الحالية تُعتبر مناسبة للغاية، خصوصاً مع اقتراب الذهب من قمم تاريخية.
أما إن كان البيع لأسباب طارئة تتعلق بالحاجة للسيولة، فمن الأفضل بيع الكمية المطلوبة فقط، مع الاحتفاظ بما تبقّى نظراً لوجود فرص محتملة للصعود مستقبلاً.
خاتمة
في ضوء المعطيات الراهنة، لا يُمكن الجزم بأن الذهب على وشك الانهيار، بل على العكس، فإن البيئة الاقتصادية والجيوسياسية العالمية لا تزال تدعم المعدن الأصفر، وإن كانت بعض التطورات قد تفرض تصحيحات سعرية مؤقتة.
السوق الآن أمام مفترق طرق:
هدنة مرتقبة قد تُحدث ارتدادات، لكن الأساسيات الاقتصادية تميل إلى استمرار الزخم الإيجابي.
ويبقى القرار للمستثمر مبنيًا على نوع استراتيجيته، ودرجة تحمّله للمخاطر، وأهدافه الاستثمارية.
الذهب لم يقل كلمته الأخيرة بعد.
إعداد: الخبير الاقتصادي محمد قيس عبدالغني
تحليل اقتصادي وفني شامل لسوق الذهب – أكتوبر 2025
